الأربعاء، 19 نوفمبر 2025

دفاع القرءان عن النبي- نقدٌ وموازنة لشكوك الأوائل والأواخر

  [دفاع القرءان عن النبي- نقدٌ وموازنة لشكوك الأوائل والأواخر]

.

هذا بحثٌ حشدتُ فيه دفاعات القرءان عن صدق النبي، وكل ما دل على ذلك منه، مكتفيًا به، وغير زاعمٍ أنَي استوعبت، ولكن حسب القلادة ما أحاط بالعنق.

واعلم أنّني قصدت إلى جمع ما يفيد الدفاع، فلم أورد ما يدل على النبوة مما له بحثٌ آخر، وأنَ غرضي من البحث أمران، أولهما أنَ القرءان لم يدع أصلَ شبهةٍ في القديم والحديث إلا وأتى عليها، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا یَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَـٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِیرًا﴾ (الفرقان: ٣٣)، وثانيهما أنْ أوازن بين طعون مشركي قريش وشكوك المعاصرين، زاعمًا أنَ العرب كانوا بالطعن أولى، وبالظهور أجدر، وأنَهم كانوا في جاهليتهم أعقل من جاحدي المعاصرين.

واعلم كذلك أن عمقَ القرءان الفلسفي، وتناوله أصول الشبهات التي لا يسع أحدًا في القديم والحديث أن يأتي بمزيد عليها في التشكيك، إلا بأن يفرِّع عليها أو يمثّلَ لها أو يجادل بشبهاتٍ دونها لم يتناولها الوحي لسفولها عن حدِّ العقل البدهي، حالَ كون القرءان من رجلٍ عربيٍ أميٍ في الحجاز، وبعبارة موجزةٍ وصياغة تناسب قَدرَ الشبهة، مع تضمين تلك الشبهات والرد عليها في سياقات وعظية تخلب العاطفة بجوار الحجى، وبقصصٍ يعتبر بها ذوي النهى، كلُّ ذلك برهان نبوة.

.

[دفعُ وهمِ المصادرة والاستدلال الدائري]

فاعلم أن لا شيء من الوارد هنا داخلٌ في باب المصادرةِ أو الاستدلال الدائري، كما يتوهَّمُ كلُّ من رأى آياتٍ ونصوصٍ في بحثٍ حجاجي مع جاحد قدسيَّتها، إذ إيرادنا ما أوردناه من نصوص القرءان هنا:

.

1- فبوصفه وثيقةً تاريخية ثابتة، لا بوصفه وحيًا إلهيًا. وليس وثيقةً تاريخيةً عادية، بل يتميَّزُ بأمور:

أ- تواتره، فهو نقلُ جمعٍ عن جمعٍ تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، ومنتهى النقل إلى نصوص تُلِيَت وسُمِعت في القرن الأول. وحسبنا هنا أن تتواتر الآيات التي نوردها فقط، فلا يضرنا الطعن على غيرها، بل وحسبنا تواتر معانيها، فلو فرضناهم اختلفوا في آية مما نورده على حرفين أو ثلاثة، بقي معناها المشترك متواترًا، كيف ولا معنى أوردنا له آيةً إلا وله آيات أخرى تعضده؟ إذن أقل ما يقال: إنه وثيقة تاريخية معانيها ذُكِرَت في العهد الأول، بأسانيدَ ومخطوطات يستحيل فيها التواطؤ.

ب- أنه لا يَحتَمِلُ الكَذِبَ في شهادته على واقعه، إذ هو نصٌ مقدسٌ تواترت نسبته عند أهله لإله، ومِن ثَمَّ فأيُّ قضية خبريةٍ تكذِبُ فيه كذبًا بهذه الفجاجة- قاضيةٌ عليه، وهادمةٌ لأصله، وأولى أن يُنقَلَ خَبَرُها ولو بسبيلِ الردِّ عليها والدفاع عن النص، فتواترُ خَبَرِ وقوع الكَذِبِ الفجِّ بجملةٍ أو جملتين أيسر من تواتر آلاف الآيات، فلا بد لهذا -إن وِقَعَ- من أثرٍ أيِّ أثر، ولا بد من تفسيرٍ -ولا تفسير- لظهور دينٍ يَنسِبُ لإلهٍ الإخبارَ بغياب الشمس وهي في السماء، بل يكون هذا خارقًا للعادة في نفسه، أن يشير المتنبئ إلى الشمس في السماء فيقول: غابت، ثم يؤمن به أشد الناس استكبار وأكثرهم عنادًا وصلابة، وأقدرهم على الجدل والحجاج بما تواتر من شعرهم وخطبهم. ولا يُقال: كَذَبَ في تصوير واقعه ولم يُنقَل لانتصار المؤمنين، وغياب النَقَلَة، وإخفاء الممسكين بمعاقد السلطة، إذ لم يكونوا لينتصروا أصلًا إن حَصَلَ هذا، ولم ينتصروا إلا برهة من زمن الدعوة، بعد ضعفٍ لبضع عشرة سنة، وحربٍ لثمان، والمنازع في تواتر ذلك يُغرَق بآلاف الأخبار المسندة والمتواترة عليه. دع تواتر ما دون ذلك من شكوك وطعونٍ على الوحي، في النص نفسه كما سترى.

ج- أنه ثَبَت صدقه بمئات التوافقات، بل ثبت صدق ما دونه من السيرة الآحادية، بتقاطعها مع الأحوال الدينية، والجغرافية، ومواقع الحروب، والطوائف، والقبائل، وغيرها، مما هو مؤكَدٌ بشهادات شعرية وتراثية وأركيولوجية وغيرية -أي من غير المسلمين-. دع توافقاته الداخلية (Internal consistency)، بغياب الفجوات التاريخية، والدعاوى الواقعية المتعارضة، وغير ذلك.

د- أنه يحقق ما يُسمّى "معيار الإحراج" (Criterion of Embarrassment)، فإذا نقلت جماعةٌ أو نصٌّ مقدّسٌ معلوماتٍ تُحرج مُنشِئه أو تقلِّل من منزلته أو تفتح باب الاعتراض عليه، فالأصل أنها صادقة، إذ لا يُعقل عادةً أن يختلق الإنسان ما يسيء إليه أو يضره أو يُعطي خصومه مادةً للطعن، بل لانفضاض الأتباع والقتل! وكلُّ ما نقلناه من هذا الباب، مع استيعاب القرءان كل ما هو من هذا الجنس، بل حتى ما دونه كعبوس النبي، وإخفائه ما في نفسه، ونقد بعض اجتهاداته، وحادثة الإفك، ونقد بعض الصحابة، وغير ذلك.

هـ- أنه يخلو من آثار تواطؤ النقلة مع قيام الحاجة، فحروب الردة واختلاف الصحابة، بل واحترابهم مبكرًا، كله كان مُحوِجًا لنصوصٍ مقدسة تؤيدهم حال خلافهم، وكان المتواطؤون ليقحموها كي تشهد لهم إن كانوا مزوِّرين وقادرين. ولا أثر لتزوير المختلفين -دع المنتصرين- حال قيام المصلحة.

.

واعلم أنه يكفينا من كل هذا (أ)، والباقي تأكيد.

.

2- ولكون ما أوردناه من آيات لا يشترط الإيمان بسماويته ليفيد ما أردناه، إذ لا يخرج عن أمور:

أ- شبهٌ للمشركين ينصبها البشرُ عادةً، فهي متوقَّعةٌ يُجزَمُ بوقوعها وإن لم يأت بها النصّ، بل من أغراضِ البحث بيانُ مشاكلتها لشبهات المعاصرين.

ب- أجوبة وإشارات للوحي، يُحتَجُّ بمضمونها العقلي، لا بكونها من إله، فللمناظر أن يذكرها في سياقِ حجاجٍ عقليٍ وإن لم ينسبها لإله أو يؤمن بسماويتها المنازع.

ج- التزاماتٌ من الوحي وتحدياتٌ ظاهرةٌ أو مُضَمَّنة، فكأننا نشيرُ إلى مواطن الطعن فيه ونبرزها إن كان من بشر.

د- شهاداتٌ على واقعٍ كائن، إما حاصلٍ في القرآن، كتضمنه لكذا وكذا من المعاني، أو حاصلٍ في الخارج، كقول المشركين كذا وطعنهم بكذا. أما الأول فلا يصح فيه النزاع، إذ من سيُنازِعُ في كونه يتضمن أخبارًا عن الغيب أو حطًا على الشياطين مثلًا؟ فهو واقعٌ مشاهدٌ بفتح المصحف. وأما الثاني فلِما ذكرناه سابقًا من كونه وثيقةً تاريخيةً ثابتة تنقل بعض أحداث السيرة، ولعَدَمِ تحمّله الكَذِبَ الفج، ومن كونه شهادةً لمُتَوَقَّع ابتداءً بمجرى العادة.

.
واعلم أن هذا بعضُ ما يقال، مما حقّه التفصيل في موضع آخر.

[الشبهات والطعون]

.

اعلم أن الطعون تتداخل، فهاك حصرًا منطقيًا لأصولها، إذ الرسول مستدلٌ جاء بالقرآن دليلًا على نبوته لمشركي قريش، فها هنا مستدلٌ ودليلٌ ومستَدَلٌ له سامعٌ للدليل، فالطعن يكون لأمرٍ في المُستَدِل أولًا، فالدليلُ إما منه أو من غيره، فإن كان منه فلغرض أو لغير غرض، وهذه أبواب الطعن على سيرته أو بأنه كذب لمصلحته أو بأنه مجنون أو شاعر شعره من نفسه.

ثم الكلام فيما إن كان من غيره، فإما حال كون دليله عجيبًا أو غير عجيب، والأول: الطعن بكونه ساحرًا كاهنا، أو بكون واسطته الشياطين والعلويات. والثاني: الطعن بكونه أخذ من الأعاجم والكتابيين، ويدخل فيه الاتهام بأخذ الشعر أيضًا، ثم الكلام في الدليل نفسه يستمر، فيُطعَن في إيصاله للمطلوب، وهو باب الطعن بكيفية الوحي واشتراطاته أو طلب دليلٍ آخر وخوارق سواه.

وأخيرًا ما يتعلّقُ بالمستدل له، أو سامعِ الدليل، فإما أن يُخالف الدليلَ لشيءٍ مما سبق أو لعارض خارجٍ عن الدليل والمستدل، والأخير: باب الطعن بتحيزات مسبقة، لأمورٍ في نفس السامع أو لأمورٍ خارج نفسه، ومن أمثلة الأول: اللاكتراث ومخالفة الآباء، ومن أمثلة الثاني: التصورات الكونية كالبعث.

.

. 1. التشكيك في سيرته

.

فمن تشكيكات المعاصرين في سيرة النبي ﷺ قولهم: أنّه لم يكن أمّيًا، بل كان قارئًا، مطّلعًا على الكتب، باحثًا في نصوص الأولين، يغشى مظانّ العلم، ويقلب دفاتر الأمم، وذا افتراضٌ ترفّع عنه عقلُ المشركين الأوائل، فما جسر أحد منهم على ادّعائه، ولا زعم زاعمٌ منهم أنه كان كاتبًا ولا قارئًا، وإنما كانت شبهتهم أنه يستكتب (=يطلب أن يُكتَبَ له) ثم تُملَى عليه: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُـمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الفرقان: 5).

في حين جرأ المعاصرون فجعلوه رأسًا في القراءة والبحث والنظر، لا رجلًا قارئًا عاديا! وعارفًا بنصوص أهل الكتاب، بل وغير أهل الكتاب، ظاهرها وخفيّها، بنسخها المختلفة، ومظانّ أخبارها، والنادر منها، على اختلاف لغاتها وأماكنها. فالمعاصرون أضعف عقلًا من المشركين، إذ نسبوا إليه ما لو صحّ لسبق إليه من كان أحرص منهم على القدح، وأعرف بسيرته، وأقرب إلى الوقائع. ومتى عجز الأولون عن ذلك، كان عجز المتأخرين عنه ألزم.

وقد ردّ القرءان هذه الدعوى قاطعًا حجّتهم من أصلها بقوله: ﴿قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (يونس: 16).

وقوله: ﴿أَفَلَمۡ یَدَّبَّرُوا۟ ٱلۡقَوۡلَ أَمۡ جَاۤءَهُم مَّا لَمۡ یَأۡتِ ءَابَاۤءَهُمُ ٱلۡأَوَّلِینَ ۝٦٨ أَمۡ لَمۡ یَعۡرِفُوا۟ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ۝٦٩ أَمۡ یَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةُۢۚ بَلۡ جَاۤءَهُم بِٱلۡحَقِّ وَأَكۡثَرُهُمۡ لِلۡحَقِّ كَـٰرِهُونَ ۝٧٠﴾ (المؤمنون: ٦٨-٧٠)

فالقوم شاهدوا حياته من أوّلها إلى حين بعثته، وعرفوا سيرته معرفةً لا مدخل فيها للظنّ، فما رأوه قطّ طالع كتابًا، ولا لازم أستاذًا، ولا مارس جدلًا، ولا جرّب خطًّا، ثم جاءهم بعد أربعين سنة بكتابٍ يحوي أصول العقائد، ودقائق الأحكام، ولطائف الأخلاق، وأسرار القصص، ثم لم يكتف بهذا دليلًا بل زادهم بأن تحداهم بلغته، وأعجزهم بنظمه، ثم بعشر سورٍ منه، بل وبعشر سورٍ مفتريات، بل وبسورة! ثم زاد ذلك بأن بقي يكرر ما به التحدي، فإن عجزوا عن سورة، فهاكم سورة أخرى، وهكذا تترا السور، مئة وأربع عشرة مرة!

واعلم أن هذه الحجة من الجنس الذي يقوى مع الوقت، إذ مذ نطق بها النبي= انتصب مرمى للسهام، فبمجرد تلاوتها صار أي شخصٍ رآه يقرأ كتابًا أو يدبّج شعرًا، أو تَلمَذَ لأستاذ مرةً في حياته= قادرًا على تكذيبه وهدم الدعوة! فمحض بقاء الدعوة وظهورها دالٌ على عدم ذلك.

لذا فكلما امتدَّ الزمان قويت الدعوى بعدم نقيضها، وبزوال الأقدر على معارضتها، وبذا كان المعاصرون أجهل. وكلَّما ظهرت دلائل علم النبي ودقائق القرءان= زادت جهالة من يدَّعي له معلمًا من المعاصرين، وقد عجز عما دون هذا الأوائل.

في حين متى وُجد هذا القرءان من رجلٍ لم يتعلّم ولم يطالع، علم العقلاء أنّه وحيٌ لا صناعة، وإلهامٌ لا تلقٍّ. ولهذا ختم الحجة بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، أي: أفلا تستعملون عقولكم في موضعٍ لو عُطّلت فيه العقول لم يبق لعلمٍ ولا نظرٍ سلطان؟

فالعقل الضروري حاكمٌ بأنه: لا بد للعالم من مُعلِّم، وللمعلومة من مصدر، وذا من مصاديق السببية، فإن قطعوا بأن ليس له معلمٌ في الشاهد، وجبَ أن يكون علمه وحيًا من غيب.

واعلم أن كل خبرٍ في القرءان= تحدٍ مضمّن أن يكذّبوه، وهذا التحدي -على اختصاره- عامّ ينسف أصول الشبهات جميعًا، إذ يطالب الخصوم أن يأتوا بمصدر علمه، أو يثبتوا أنه قرأ، أو كتب، أو تلمذ لأحد، أو وجدوا له خطًّا، أو دلّوه على مجلسٍ كان يُقرَأ فيه كتابٌ بحضرته. وهو تحدٍّ رفيع الخطر، فإن أدنى دليلٍ على واحدةٍ من هذه الدعاوى كافٍ لإسقاط النبوة جملةً.

وزد عليه غير ذلك من الإخبار عن سيرته،  كإن وجدوه أتى بقادحٍ أخلاقي يُكَذِّب كونه على خلق عظيم، أو تعاطيه شيئًا من صنعة السحر وتعلمه، أو غير ذلك مما يسهل إخراجه ممن لبث معهم.

ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (يونس: 17)، وقال سبحانه: ﴿أَمۡ یَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَیۡتُهُۥ فَعَلَیَّ إِجۡرَامِی وَأَنَا۠ بَرِیۤءࣱ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ﴾ (هود: ٣٥)

فإن كان القرءان مختلقًا، فالمختَلِقُ مجرمٌ وهو أول الظالمين على نفسه، إذ كذب على الله، ولا أحد أظلم ممن افترى على ربه. وإن قامت البينة على أنه من الله، فليس أظلم ممّن كذّب به بعد ظهور الدليل.

وتستنبط من ذلك القاعدة العامة: أن مدعي النبوة إما أن يكون أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين وأظلمهم، وكل من ميّز بين صادق وكاذب فقادر على التمييز بين أعظم الناس صدقًا وأعظمهم كذبًا من باب أولى، إذ لا أسهل من تكذيب من يدعي نبوةً تزعزع كل شيء، حال استضعافه ومخالطته، وحال كونه غير محتجب عن خصومه وأتباعه، وعن أسئلة صحبه وتحديات قومه. وذكري لهذه الحال مهمة، لتقارنها بحال مدعي النبوة عديمي التأثير المحتجبين بالقوة والسلطان، كيف وهؤلاء أيضًا يُفضحون ويُغتال ذكرهم.

ويزيد السابق إحكامًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت: 48).

إذ بعد نزولها لم يعد مقبولًا لبقاء الوحي صادقًا أن يثبت أحدٌ أنه خط شيئًا بيمينه، وإلا لكذَّب القرءان ونقض الدعوة، ولم يكن القوم ليتركوا ذلك إن وجدوه، ولا ليسكت عنه خصومه، وهم أحرص الناس على تكذيبه، وأقدرهم على استخراج عثراته.

ولا تحسبننا نقول إن ما جاء به  مقدورٌ لمن اكتتب وتعلَّم وخطَّ بيمينه، وأننا نبذل جهدًا لنفي هذا عنه، بل هو معجزٌ لمن هذه صفتهم فلا يقدرون على مثله، ولكنه إمعانٌ في الدلالة على نبوته ﷺ، فقد تحدى الأحبارَ والمـُعلَّمين، فرادى ومجتمعين، وجاء بما لا يقدر عليه إنسٌ ولا جن، فكيف وهو بصفات هي أبعد عمَّا جاء به من صفات من تحداهم؟

ثم يكفي من سيرته المتواترة ما يدفع احتمالي الافتراء والجنون، وإشارة ذلك في قوله تعالى: ﴿أَفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةُۢۗ بَلِ ٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡـَٔاخِرَةِ فِی ٱلۡعَذَابِ وَٱلضَّلَـٰلِ ٱلۡبَعِیدِ﴾ (سبأ: ٨)، فهي قسمة عقلية حاصرة، إذ من يدعي الدعوى العظيمة، فإما أن تطابق الواقع فيكون صادقًا، أو لا تطابقه، فإن لم تطابق الواقع كان كاذبًا، وذلك منه إما عمدًا وهو الافتراء، أو لا عمدًا وهو الجنون، وخص الجنون بالذكر لأن الكلام عن الدعوى العظيمة التي لا تكون من جنس الأوهام اليسيرة والأخطاء العادية. ثم أشار إلى علة من علل ذهابهم إلى أحد الاحتمالين -الافتراء أو الجنون- وهي عدم إيمانهم بالآخرة، فمن يعلم أنه يوقف على رب العالمين، ويتقي عقابه وقد ثبتت ربوبيته عقلًا= لا يقامر بالذهاب إلى احتمالين بعيدين، باطلين حتى قبل أن ينظر في رجحان الصدق، إذ بمحض استحالة أن يكون مفتريا أو مجنونًا يبقى صدقه، فكيف وهو القسم الوحيد الذي يلتئم مع سيرة النبي المتواترة، دع ما جاء به من آيات؟

فحق عليهم حينئذ أنهم ﴿فِی ٱلۡعَذَابِ وَٱلضَّلَـٰلِ ٱلۡبَعِیدِ﴾، عذاب الدنيا بعجزهم عن دفع آياته وجهدهم المسكوب في محاولة ترجيح الفرية أو الجنون، وعذاب الآخرة بصدوفهم عن صدقه الراجح الكافي في إقامة الحجة عليهم إلى احتمالين مدفوعين. وهم في الضلالٍ البعيد، فيتخبطون تخبط ضال الطريق الذي لا يجد مغياه، بما يحاولونه من تهم وعرة شاقة لا يبلغون بها اتفاقًا على شيء يلائم سيرته، حال كونهم بعيدين عن الهدى الذي جاء به، وعن غايتهم المنشودة، وعن الاهتداء إلى الحق.

وسيأتي فيما ستقرأ من الرسالة ما يدفع القسمين الباطلين، ويؤكد الصدق النبوي. 


2. شبهة الكذب والبحث عن المصالح الدنيوية

.

ومما رماه به المشركون، ورماه به كثير من الجاحدين في هذا العصر: أنه كذب طلبًا للسيادة أو الملك أو المال، كما قال تعالى حاكيًا قول ملئهم: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ (ص: 6).

أي: هذا الذي يدعونا إليه محمد ﷺ -من قول لا إله إلا الله- أمرٌ يريده لنفسه، وسلطانٌ يبغي به الاستعلاء علينا، ليكون له الاتباع وعليه المشيخة، ونحن له الطائعون. فهي عينُ السردية التي يحاول المعاصرون اليوم كسوها ثوبًا جديدًا: أنه كان ذكيًّا يطلب الدنيا، أو حاذقًا يبني مجدًا لقومه، أو صاحبَ طموحٍ سياسيٍّ يتلمّس طريق الملك.

وجهالة الأوائل تبعٌ لجهلهم بالمآل، إذ اتهموه قبل أن يعلموا ما سيكون من أمر الدعوة، وظنّوا أنه عمَّا قريبٍ يطلب مراده الدنيوي، أو أن مآلها قد يفضي إلى طَلَبِ مُلكٍ أو ثراء. أما المعاصر فقد رأى نتائج الدعوة، ورأى أنها كانت قولًا ثقيلاً، وأنّ صاحبها تواتر عنه أنه لا يسأل عليها أجرًا، وأنها دعوة ترفع صاحبها إلى المشقة لا الراحة، وتكلّفه ما لا يتكلفه صاحب هوى، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (ص: 86). وقال سبحانه: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ (الطور: 40). وقال جلّ وعلا: ﴿أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ خَرۡجࣰا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَیۡرࣱۖ وَهُوَ خَیۡرُ ٱلرَّ ٰ⁠زِقِینَ﴾ (المؤمنون: ٧٢). وقال عزَّ وجلَّ: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾ (الشورى: 23). حتى جرت قاعدة عامةً في اتباع المرسلين: ﴿وَجَاۤءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِینَةِ رَجُلࣱ یَسۡعَىٰ قَالَ یَـٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُوا۟ ٱلۡمُرۡسَلِینَ ۝٢٠ ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا یَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرࣰا وَهُم مُّهۡتَدُونَ ۝٢١﴾ (يس: ٢٠-٢١)، ففيها اجتماع الأمرين فيهم، ترك طلب الدنيا، والاهتداء قولًا وعملا، لينتفي الانتفاع المادي، والانحراف النفسي، فيبقى الصدق والإخلاص في تبليغ الوحي.

بل بلغ بالنبي أن خيّر زوجاته بين الدنيا والآخرة، ولو كان طالبَ دنيا لرضين منه ما يرضينه ممن يُؤثر الحياة الدنيا، ولما كان للتخيير معنى. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (الأحزاب: 28).

فدلّ هذا على أن بيته لم يكن بيت دنيا، وأن أمره كله مبنيٌّ على المجاهدة والزهد والصبر.

ثم ضُمّ إلى ذلك ما كُلّف به من أعمال بدنية وروحية ليست من شأن طالب ملك كذّاب، بل من شأن من حُمّل رسالةً من السماء، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ۝ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ۝ نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ۝ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ۝ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (المزمل: 1–5). 

وقد تواترت عنه السنن لا الواجبات فقط، مما كان غير واجبٍ على أتباعه إلا أن يريدوا أجرًا زائدًا باتباعه فيه. وهذه تكاليف لا يدخل تحتها من يطلب اليسر، ولا من يريد التجارة السياسية، بل لا ينهض بها إلا نبيٌّ صادق.

أما الغنائم، فلم تأتِ إلا مؤخراً جدًا، وكانت تُوزّعُ فلا يبقى منها شيءٌ مع النبي يزيد على ما من جنسه واقع لغيره من المسلمين، بل فيهم أثرياء أغنى مالًا منه ﷺ، وهم أتباعٌ للنبي فيملك أن يسلبهم باسم الدين ما معهم أو بعضه لنفسه لو شاء، كما يصنع طلاب الدنيا من رؤساء الأحزاب والأديان الباطلة أمس واليوم.

دع علمهم أنه لم يجعلها ملكًا في نسله، وأنه لو أراد السيادة لأدهن، كما قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (القلم: 9). وكل هذا لم يكن في علمِ المشركين أولَ الدعوة ثم استبان لهم، وزاد بيانًا للمعاصر الذي علم متواتر سيرته وقرءانه، ورأى عواقب دعوته وثمارها.

ثم كيف يطلبُ سيادةً من يبدأُ دعوته بقطع أواصر الصلة بينه وبين رؤوس قبيلته؟ فلم يلبث قليلًا حتى تلا:  ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ۝١٨ فَقُتِلَ كَیۡفَ قَدَّرَ ۝١٩ ثُمَّ قُتِلَ كَیۡفَ قَدَّرَ ۝٢٠ ثُمَّ نَظَرَ ۝٢١ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ۝٢٢ ثُمَّ أَدۡبَرَ وَٱسۡتَكۡبَرَ ۝٢٣ فَقَالَ إِنۡ هَـٰذَاۤ إِلَّا سِحۡرࣱ یُؤۡثَرُ ۝٢٤ إِنۡ هَـٰذَاۤ إِلَّا قَوۡلُ ٱلۡبَشَرِ ۝٢٥﴾ (المدثر: ١٨-٢٥)، وهي في الوليد بن المغيرة المخزومي من رؤوس قريش وأكابرها. ثم بعدها بقليلٍ تلا:  ﴿تَبَّتۡ یَدَاۤ أَبِی لَهَبࣲ وَتَبَّ ۝١ مَاۤ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ ۝٢ سَیَصۡلَىٰ نَارࣰا ذَاتَ لَهَبࣲ ۝٣ وَٱمۡرَأَتُهُۥ حَمَّالَةَ ٱلۡحَطَبِ ۝٤ فِی جِیدِهَا حَبۡلࣱ مِّن مَّسَدِۭ ۝٥﴾ (المسد: ١-٥)، وهي آيات قاضيةٌ بالعداوة بينه وعمه أبي لهب من رؤوس بني هاشم، ووالد من خطبوا بناته ، وزوجه أم جميل أخت أبي سفيان بن حرب من رؤوس قريش. فكانت هذه الآيات مفاصلةً وعداوة لا تقبل الإدهان والمساومة مع بداية الدعوة، ومع شدة الحاجة للنصير، وجبل النفس على محبة الأقارب، وكأنما أراد سبحانه أن يقطع أصل هذه الشبهة ويوصد بابها، لئلا يكون له نصير إلا الله ثم من تبعه من المؤمنين، فلا سبيل للتوصل بالقرابة والقبيلة إلى ملكٍ أو سيادة.

وتأمل بأن كل ما قيل هنا في نفي شبهة طلب الدنيا= فهو ردٌ على شبهة السحر، والشعر، والتعلم من الغير، إذ لِمَ يصنع كل هذا من لا يطلب شيئًا من المصالح السابقة، بل يكلف نفسه فوق ما يلزمها إن كان كاذبا؟

ومن حكمة الله أن لم تتبعه قريشٌ عقدًا من الزمان، ثم قاتلته عقدًا وبضع سنين، وإلا قيل: نالَ سيادةً مذ ادعى.

.

3. شبهة الجنون والاضطراب النفسي

.

ومما دندن حوله الأوائل والأواخر: اتهام النبي ﷺ بالاضطراب النفسي، وأن ما جاء به أثرُ شيزوفرينيا وهلاوسَ أو توهماتٍ عصابية وصرع، وزاد المشركون على ذلك قديمًا دعوى مسّ الجن. غير أنّ المشركين -على جهلهم- كانوا أعقل من المعاصرين في هذا الباب، إذ لم يكن لهم علمٌ بحدود الجنون، ولا تمييزٌ بين طبقاته، ولا إدراكٌ لأحوال الممسوس والموسوس والمختل. أما المعاصر فهو يدري أن اضطرابات النفس -بشتى مراتبها- لا تُنتج ظاهرةً محمديةً تمتد ثلاثةً وعشرين عامًا بلا تلعثمٍ ولا اضطراب، ولا تصنع لغةً هي أرفع لغات العرب، ولا تقيم دولة، ولا تربي رجالًا، ولا تشيّد حضارة. فالمجنون -في أحواله كلها- أنقص من العاميّ في البيان، وأضعف في القيادة، وأوهى في السياسة، فكيف يرتقي فوق العباقرة والفصحاء، ويصارع أممًا ودولًا ومللًا؟ ثم إن المشركين لم يعلموا بعد ثمارَ دعوة النبي، أما المعاصر فرأى النتائج، وأنها لا تكون من مجنون مضطرب الدماغ، بل لو كان كل هذا من مجنونٍ لكان خارقًا للعادة في نفسه!

وقد سجّل القرءان ما شغبوا به فقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (الحجر: 6).

ورد القرءان عليهم فقال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ ۝ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ۝ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ (الطور: 29-31).

فنبههم لكون الوحيِ نعمةً من رب العالمين، وهذا جامع لكل ما في دعوته من دلائل أنعم الله بها عليه وعلى أتباعه، حيث إن نعم الله تعالى كانت ظاهرة في حقه، كالفصاحة التامة والعقل الكامل والسيرة المرضية، والبراءة من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة، وإذا كانت هذه النعم محسوسة ظاهرة فوجودها ينافي حصول الجنون، بل الاتهام به هو الجنون! وذا يحكم به أي عاقلٍ رأى رجلًا جامعًا لهذا كله ثم اتُّهِمَ ببلاءٍ لا بنعمة! وأنى تكون هذه النعم -وأعلاها القرءان الدال عليها- لكاهنٍ أو مجنون؟ ثم إنهم كانوا أعقل فعلموا أن مدعي النبوةِ كاذبًا -لا سيما في عصرهم- لا يظهر أمره، وقصاراه حوادث الدهر والموت. إذن تربصوا! وليأت الدهر بما شاء، فلن يموت صاحب هذه الدعوة حتى يبلغ رسالات ربه ويظهر أمره كما وعد سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: 67) وكما أمر نبيه أن يتحداهم: ﴿قُلِ ٱدۡعُوا۟ شُرَكَاۤءَكُمۡ ثُمَّ كِیدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ﴾ (الأعراف: ١٩٥)، وذا تصريحٌ بأنّ النتيجة محسومة قبل وقوعها.

وقد قال تعالى أيضًا: ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ۝ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ۝ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ۝ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ۝ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ۝ بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ ۝ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القلم: 1-7).

فأشار لدلالة خُلُقِه، واضعاً وصفاً سيقيد النبي مع بدء الدعوة، بأنه على خلق عظيم، فلم يعد جائزًا أن يأتوا من ماضيه بشيء يعيبه، أو في مستقبله بما يقدح في خلقه. وكونه ذا خلقٍ عظيم يتعارض مع الجنون القديم والمعاصر، وهم يشهدون هذا، ويشهده المعاصرون بشهادة القرءان التي كانت لِتُكذَّب لو لم تكن. ثم نزول هذه الآيات في أول الدعوة إشارة لما سيجلي الحقيقة لاحقًا، وأنهم سيبصرون من المفتون، وهو ما كان بعد ذلك في السيرة -وتواتر إلينا- من قيادته وانتصاراته وظهوره ودينه. وخُتِمَت الآيات بأن الله أعلم بمن ضل عن سبيله وأعلم بالمهتدين، منبهاً لكون ما أتى به هداية، فكيف تكون من مجنون؟

وقال جلَّ شأنه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ۝ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ ۝ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: 35-37). ومثله قوله: ﴿أَفَلَمۡ یَدَّبَّرُوا۟ ٱلۡقَوۡلَ أَمۡ جَاۤءَهُم مَّا لَمۡ یَأۡتِ ءَابَاۤءَهُمُ ٱلۡأَوَّلِینَ ۝٦٨ أَمۡ لَمۡ یَعۡرِفُوا۟ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ۝٦٩ أَمۡ یَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةُۢۚ بَلۡ جَاۤءَهُم بِٱلۡحَقِّ وَأَكۡثَرُهُمۡ لِلۡحَقِّ كَـٰرِهُونَ ۝٧٠﴾ (المؤمنون: ٦٨-٧٠)

 وفيه الإشارة إلى أن ما جاء به الحق، ولا يجيء بالحق مجنون، وكونه حقًا أي بدلائله ومضمونه الذي يبصر الأعمى أنه ليس في طوق مجنون أو شاعر، وأنه حقٌ في نفسه منافٍ لما هم عليه من التنديد والفواحش. وأنه صدَّق المرسلين، وجاءهم بما أتى أباءهم الأولين، فليس بدعًا من القول، وفيه إشارة لدليل آخر على صدقه، فكيف يتأتّى لمختلٍّ أن يجيء بعقيدةٍ توافق عقائد الأنبياء، وتصدق رسالاتهم، وتلتقي معها في أصولها الدقيقة؟ دع كونه مصداقًا لنبوءاتهم، دع موافقته إياهم في نصوص وتصحيحه ما حُرِّفَ عليهم. وذا لازمٌ حتى لمن لم يؤمن بالأنبياء، فإنّ اجتماع هذه المعاني من مستحيلات الصدفة، فكيف تُنسب لاضطراب عقلٍ أو خلل ذهنٍ؟!

وعندما جمعوا بين تهمتي التعلم والجنون، قال تعالى: ﴿أَنَّىٰ لَهُمُ الذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ ۝ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾ (الدخان: 13-14)، وفي سورة الدخان، أتاهم بخارقة حسية تفيد عدم جنونه، فكشف عنهم عذاب الدخان قليلًا، ليعودوا إلى غيهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا ۚ إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ (الدخان: 15)، وفيه ردٌ على شبهةٍ تأتي لاحقًا، وهي طلبهم معجزات وخوارق خاصة ليؤمنوا.

كما قال تعالى: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ۝ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ (القلم: 51-52). فكيف يكون ذكرًا للعالمين، يحاجهم به جميعاً، بمضمونه وبآيات صدقه، ويكون من مجنون؟ فالعالمون كلهم مُتَحَدون لإثبات أنه ليس من إله، ويعجزون.

دع الإشارة لما في الوحي من غيوب لا تكون من مجنون بل من إنسانٍ يتصل بالملائكة وبرب العالمين:  ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجۡنُونࣲ ۝٢٢ وَلَقَدۡ رَءَاهُ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡمُبِینِ ۝٢٣ وَمَا هُوَ عَلَى ٱلۡغَیۡبِ بِضَنِینࣲ ۝٢٤ وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَیۡطَـٰنࣲ رَّجِیمࣲ ۝٢٥ فَأَیۡنَ تَذۡهَبُونَ ۝٢٦﴾ (التكوير 20-26).

ونختم المبحث بقوله سبحانه: ﴿وَمَاۤ ءَاتَیۡنَـٰهُم مِّن كُتُبࣲ یَدۡرُسُونَهَاۖ وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَاۤ إِلَیۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِیرࣲ ۝٤٤ وَكَذَّبَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَمَا بَلَغُوا۟ مِعۡشَارَ مَاۤ ءَاتَیۡنَـٰهُمۡ فَكَذَّبُوا۟ رُسُلِیۖ فَكَیۡفَ كَانَ نَكِیرِ ۝٤٥ ۞ قُلۡ إِنَّمَاۤ أَعِظُكُم بِوَ ٰ⁠حِدَةٍۖ أَن تَقُومُوا۟ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَ ٰ⁠دَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِیرࣱ لَّكُم بَیۡنَ یَدَیۡ عَذَابࣲ شَدِیدࣲ ۝٤٦﴾ (سبأ ٤٤-٤٦)، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَوَلَمۡ یَتَفَكَّرُوا۟ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِیرࣱ مُّبِینٌ﴾ (الأعراف: ١٨٤).
فعلومه علومُ كتبٍ ومنذرين سابقين، وليست علومًا تحصل لمن به جنة، ثم نبه بقوله: {صَاحِبِكُم} إلى أنهم صحبوه وعرفوه صغيرًا وكبيرًا، وهو بين أظهرهم كأكمل ما يكون عليه الرجال، وأرجح ما تبلغه العقول، فكيف تحيلون ما أتاكم به آثارًا لجِنة؟

.

4. شبهة الشعر وادعاء القدرة على المعارضة

.

فوصفهم إياه بالشاعر محاولة أخرى للتهوين من مباينة القرءان لما يكون عادةً من البشر، وأنه نتاج طبيعي كنتاج الشعر وصنوف القريض. وكان مشركو العرب -على جهالتهم- أعقل، إذ لهم نوع سلطة لغوية لمثل هذا الاتهام، في حين يهوّن اليوم من بلاغة القرءان ويجعله جنسًا عاديًا في النظم والبلاغة من هو أعجمي أو في حكم الأعاجم! وذا يجعل مشركي العرب -من جهةٍ- أكثر جحودًا، إذ سلطتهم اللغوية دلتهم من باب أولى على أن القرءان ليس شعرًا ولا من جنس ما يقدرون عليه. وقد رد القرءان عليهم بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ (يس: 69)، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ۝ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ ۝ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (الحاقة: 40-42). فنفى الشاعرية بـ ﴿قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ والكاهنية بـ ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ كأنه تعالى يقول: لو قصدتم الإيمان لَعلمتم أنّ هذا القرءان ليس شعرًا، فبنيته، وفواصله، ونَسَقه، ومادته، ومقاصده، وموقعه من النفس، أبعدُ الأشياء عن ضروب الشعر. ولو تذكّرتم طبيعة الكهانة، وما فيها من إلهام الشياطين ووساوسهم وطقوسهم، لعلمتم أنّ القرءان ليس من باب الكهانة، إذ هو عامرٌ بالحطّ على الشياطين ولعنهم والاستعاذة منهم، فكيف يكون من إلحادهم؟

ويدخل في هذا دعوى اللاكتراث بمعارضته مع القدرة عليها، في قولهم الذي نقلناه قبلا: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۖ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الأنفال: 31)، ويشبههم من وجه المعاصرون اللاكتراثيون. لكن كان المشركون أعقل، ولذا كانوا أجحد، إذ كانوا أهل المعارضة لو أمكنهم، ولم يفعلوا بدلالة ﴿وَلَن تَفْعَلُوا﴾ ودلالة ﴿لَوْ نَشَاءُ﴾ مما يعني أنهم لم يأتوا بشيء، إذ "لو" حرف امتناع لامتناع، فلما لم يفعلوا كان كلامهم هراءً محضاً ودعوى لو أمكنهم القيام بها لهدموا الدعوة في مهدها، فبقاؤها حجة العدم، مع قيام الدواعي وانتفاء الموانع، أما المعاصر فهو أقل عقلًا حين يقول هذا وهو عاجز عن الإتيان بمثل شعر امرئ القيس والمتنبي.

لذا لم يجبهم القرءان وتجاوز إلى ما بعده لعبثية الدعوى ولأن فيها الاعتراف بعجزهم، فقد شاؤوا حربه، وشاؤوا حصاره، وشاؤوا ما هو أصعب من أن يقولوا مثل سورةٍ من القرءان، فأي فائدة في إجابة هؤلاء وقولهم هذا اعترافٌ بأنهم ما أتوا بمثله لأنهم بزعمهم لا يشاؤون؟ وكذلك المعاصرون، يجهدون في كل شيء يتعلق بالدين، ويرتزقون بالطعن والتشكيك، تاركين ما هو أهون عليهم لو أطاقوه: تكذيبُ خبرٍ واحدٍ أو إجابة تحد.

واعلم أن قولهم ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا﴾ دالٌ على علوِ القرءان، إذ لا يقال هذا في الداني الذي يطيقه كل أحد، إذ ظهور القدرة عليه ووجود ما هو فوقه كافٍ في معارضته، دون حاجة لإنشاءٍ جديد يزعمون القدرة عليه، لو شاؤوا.

ثم جاء القرءان يستعرض حال الشعراء ليبيّن الفارق الجوهري بين الشعر والقرءان، فقال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ۝ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ۝ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ (الشعراء: 224–226).

فالشعراء -في غالبهم- أتباعهم الغاوون، ممن يميل مع الهوى، ويطلب اللذة، ويستحسن الفُحش والزينة والعبث. وهم -كما أخبر الله- يهيمون في كل وادٍ، يمدحون ما ذمّوه، ويعظّمون ما احتقروه، ويقولون ما لا يلتزمون، فلا ثبات على حق، ولا قصد للصدق، وإنما هو صناعة لفظية تحرك العاطفة وتستميل الهوى.

فإذا كان هذا حال الشعراء، فمن باب أولى أن يكون الشاعر الذي يدّعي النبوة أشدّ اضطرابًا، وأكثر تقلبًا، وأقرب إلى اتباع الهوى، إذ يتوسل بشعره إلى أعظم الدعاوى وأكبرها. فمِن شأنه أن تتبعه طائفةٌ من الغاوين، الذين تلائمهم تلك العواطف الهوجاء، وذلك الخطاب المستميل. وذا ليس خاصا بالشعر، بل بكل من يلقي إلى الناس بكلام يحرّك شعورهم. إذ ليخاطب الإنسان شعور الناس ويؤثر فيهم= ينبغي أن يكون متقلبا كتقلبهم، وأن يكون أتباعه كذلك. فأين هذا من حال النبي ﷺ؟ إذ أتباعه ليسوا مستلبين بالغواية، أو طلابَ لذة، وإنما رجالٌ خرجوا من ديارهم، وهجروا دنياهم، وعرّضوا أنفسهم للهلاك، طلبًا للحقّ وحده، وكله متواترٌ بتواتر الحالة المكية، فمن اتَّبعوه لم يتَّبعوه لبلاغة تروق للهوى، بل لبلاغةٍ معجزة، ولا لأسلوبٍ يخاطب الشهوة، بل لما وجدوه حقًّا ثابتًا، لا يتلوّن كما يتلوّن الشعراء.

لذا استثنت الآيات الشعراء الأتقياء، ممن ليس غرضهم إرضاء الهوى والناس، بل التوسل بشعرهم إلى نشر الحق، وهم الأقل في شعراء العرب.

ثم إن الشعر غالبًا لا ينفكّ عن الكذب، من مبالغةٍ أو اصطناعٍ أو تصويرٍ لغير الواقع، لينفق على الناس ويعمل فيهم أثره، والقرءان منزّه عن هذا كله، فلا كذب فيه، ولا تلوّن، ولا مجاراة لهوى السامعين، بل كلّه صدقٌ وجدٌّ وهداية.

فكيف يبزّ النبي أهل الشعر بكلامٍ ليس شعرًا ولا كذب فيه أو جذبًا لأهواءهم، بل يعرضهم للخطر بمحض تلاوته والإيمان به؟ في حين للشعر أدوات جذبٍ ليست في القرءان، ومع هذا فاقه القرءان تأثيرا وعملا، وجذب أتباعًا ليسوا هم أتباع الشعراء، إذ يتبع الشاعر الغاوون، لكونه يخلب هواهم، لا لموافقته نظر عقلهم وتقواهم، فهل أتباع النبي كذلك؟ هل اتبعوه لأنه أغواهم؟ أم عرّضهم للأخطار ولمفارقة الأهل والأحبة؟

وإذا كان الشعراء لا يثبتون على قولٍ، فكيف ثبت القرءان ثلاثًا وعشرين سنة على نسقٍ واحد، وغايةٍ واحدة، وأسلوبٍ واحد، ومقصدٍ واحد؟ وإذا كان الشعر يطلب رضا الناس، فكيف طلبَ القرءان سخط قريش كلها؟ بل وسخط كل من حوله ولو أهل كتابٍ سابق؟

فدلّ واقع الشعراء، وحال القرءان، وصنيع العرب، على أن اتهام النبي بالشعر قولٌ ساقطٌ لا يستوي على ساق.

.

5. شبهة السحر والكهانة

.

ومما رُمي به النبيّ ﷺ قديمًا: الاتهام بالكهانة والسحر، لا سيما عند ظهور خوارقه الحسية، أو ما صحّ من دلائل اتصالِه بالغيب، أو ما اشتمل عليه القرءان من أنباءٍ لم يسمعوا بها، فعلّقوا الأمر بباب الجن، وصنعة السحر، في حين جعله المعاصر أثرًا لفنٍّ خفيّ لم يبلغوه، أو صنعةٍ لم يتقنوها، أو تميزٍ يقع للواحد من البشر كل فترة، وربما فرّ المعاصر من هذا كلّه إلى "مجهول طبيعي" لا يفقه حقيقته، مستبدلًا سحرًا بآخر.

وقد كان الأمر في العرب أشدّ، لأنهم يؤمنون بالسحر والكهانة، فيرون ما لا يدرونه، ويجهلون ما لا يحيطون به، فرموه بما ألفوه من عادات السحرة والكهنة، أما المعاصر فأضعف عقلًا إن صنع هذا.

وقد ردّ القرءان على هذه الدعوى من وجوهٍ كثيرة، إذ إقدامهم على وصف القرءان بكونه سحرًا، يُحتمل أن يكون ذمًا، بكونه من ساحرٍ تعلَّم السحر ويتوسل به إلى خديعته، ويُحتمل أن يكون مدحًا لتميزه وحسنه وكمال بلاغته، حال عجزهم عن تفسير أسبابه والإتيان بمثله، فهو سحرٌ أو كالسحر، وجامع الاحتمالين أنه عجيبٌ لا ينازعون في تميّزه عن عوائدهم. لكن كيف يكون سحرًا من رجلٍ نشأ فيهم، لم يغِبْ عن أعينهم، ولم يخالط سوى قومه؟ كيف ولم تكن مكة دارَ علومٍ ولا جامعةً تُدرّس السحر أو الفلسفة أو الآداب الخفية؟ وكيف خرج من مثل هذه البيئة المتواتر شأنها والتي يشهدون عليها= كتابٌ يعجزهم؟ فما قيل في التهم السابقة يُقالُ هنا، من أنهم كانوا الأقدر على تكذيبه، بأيسر سبيل وأظهر حجة، وعجزوا.

وقد رد عليهم القرءان بأن واقع السحرة معروف، كقوله تعالى في قصة موسى: ﴿قَالَ مُوسَىٰ أَتَقُولُونَ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَاۤءَكُمۡۖ أَسِحۡرٌ هَـٰذَا وَلَا یُفۡلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ﴾ (يونس: 77). وهذا حكمٌ مطّرد "الساحرُ لا يُفلح"، لا دينًا، ولا دعوةً، ولا أثرًا، ولا سيادةً، ولا تغييرًا في الأرض. فأين وجدت سحرًا يبني دولة؟ وأين رأيت ساحرًا يرحل ويتتبع العلوم، ثم يُمسك بزمام العرب، ثم يفتح بلاد الفرس والروم، ثم يقيم حضارةً تمتدّ قرونًا وتنبَّأت بها الكُتُبُ السابقة؟ بل أين السحر الذي يُخرِج أمّةً من ركام الجاهلية ليكون أهلها سادة الدنيا؟ هذه خاتمةٌ لا يقدر عليها إلا الحق الإلهي، أما السحر فغايته خِفّة العقل، واحتيال القوم، وارتزاقٌ من الظلمة، ولا يبلغ به صاحبه حال عالمٍ مبرز، دع شيخًا في قبيلة، دع ملكًا من ملوك العرب والعجم، دع قيام خلافة تَحطِمُ ما دونها.

وكذلك من واقعهم ما بيَّنه القرءان: ﴿هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّیَـٰطِینُ ۝٢٢١ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِیمࣲ ۝٢٢٢ یُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَـٰذِبُونَ ۝٢٢٣﴾ (الشعراء: 221-223). فنبه إلى صفات في الساحر والكاهن، وهي أنه أفاكٌ كثير الكذب في نفسه، أثيمٌ كثير الإتيان بالمعاصي، فأين هذا من واقع النبي الذي شهد له الوحي وألزمه بهذه الشهادة أن يكون: ﴿عَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4)، والذي لبث فيهم عمرًا: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (يونس: 16)، دع أنهم كثيرو الكذب فيما يخبرون به من الغيب: ﴿یُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَـٰذِبُونَ ۝٢٢٣﴾ (الشعراء: 221-223)، فأين هذا من أخبار النبي التي يتحداكم إلى تكذيب الواحد منها؟ ويدليها إليكم لتنقضوا عليه دعوته بتكذيبها؟

ثم زد في واقعهم سنةَ الله فيهم، قال تعالى: ﴿فَلَمَّاۤ أَلۡقَوۡا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَیُبۡطِلُهُۥۤ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِینَ ۝٨١ وَیُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ۝٨٢﴾ (يونس: 81-82)

فسنة الله جاريةٌ بأن يبطل السحر ويفضح صاحبه، ويُحقّ الحقَ بكلماته، وقد أحقّه بكلماته الكونية لموسى بقلب العصا حيةً وتلقفها ما يأفكون، وأحقّه بآيات القرءان التي تبطل السحر، وتعصم من الشياطين، وهذه الآية كالتحدي بأن يأتوا بسحر ليروا مآله قِبالَ كلمات الله، دع أن كل آيات التحدي بالقرءان تتضمن قبول أن يستعينوا بمن شاؤوا ويأتوا بشهدائهم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (يونس: 38) ففيه تحدي السحرة، وتحدي المشركين أن يستعينوا بهم في عموم من أُذِنَ لهم أن يستنجدوهم، ليروا أهو سحر أم لا، لا سيما وهم يعلمون علاج السحر ويعلمون أهله، فليأتوا بمثل القرءان أو يبطلوا بالسحر دعوة النبي.

وقد رد الوحي على المشركين أيضًا حين قالوا: ﴿لَاهِیَةࣰ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ هَلۡ هَـٰذَاۤ إِلَّا بَشَرࣱ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ ۝٣ قَالَ رَبِّی یَعۡلَمُ ٱلۡقَوۡلَ فِی ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ ۝٤ بَلۡ قَالُوۤا۟ أَضۡغَـٰثُ أَحۡلَـٰمِۭ بَلِ ٱفۡتَرَىٰهُ بَلۡ هُوَ شَاعِرࣱ فَلۡیَأۡتِنَا بِـَٔایَةࣲ كَمَاۤ أُرۡسِلَ ٱلۡأَوَّلُونَ ۝٥﴾ (الأنبياء: 3-5)، فنبه لكونه سبحانه عليم بالقول في السماء والأرض، فيعلم دعواه النبوة وتكذيبهم إياه، وما كان ليقره فضلًا عن أن يؤيده بالبينات العجيبة التي ما وجدوا ما يسوغها إلا أن تكون سحرا، ثم أشار بحكايته عنهم أنهم قالوا كذا، {بل} كذا، لإضرابهم عن كل طعنٍ إلى غيره عبثًا وعنادا.

وأشار لمثله حين قالوا: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا ۝ انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 47-48). وقد أرادوا بالمسحور: أي أنه ذو سحر وساحر، وربما أرادوا أنه أصابه سحر، فيشير القرءان في الآيتين إلى تهافتهم، فكل أحد شَبّهك أيها النبي بشيء آخر، فمرةً يقولون: ساحر بعلمٍ وقوة خفية، ومرةً: مسحور مبتلى تلعب به الشياطين، ومرةً: كاهن يستعين بهم ليعرف الغيب، ومرةً: شاعر يقدرون على مثل شعره، ومرةً: معلّم يستقي من غيره. ومرةً: مجنون ملتاث العقل. وذا من أدلة تنزهه عن كل هذا ﷺ، إذ جمهور هذه التهم يقتضي علمه وتلمذته لصنعة، ويناقض هذا تهمة الجنون والاختلال. وكونهُ معلَّمٌ أو شاعرٌ -كمثل غيره من المعلمين والشعراء- يناقض الاتهام بكونه كاهنًا أو ساحرًا يختص بالشياطين ويمتاز عليهم بها وفيهم المُعلَّمون والشعراء. ومثل هذا كونه مسحورًا مبتلى، مما يناقض تهمة تميزه بالعلم والشعر. فيستحيل الجمع بين هذه الأمور، وكل ما لأجله وصفوه بشيء من ذلك يناقض ما لأجله وصفوه بالآخر، فلا يجدون سبيلا لوصفٍ جامعٍ لكل ما ظَهَرَ به عليهم. فلم يبق جامعًا لما امتاز به عنهم إلا أن يكون وحيًا. هذا وقد تركنا ما سجله الوحي بالتواتر ويناقض بعض هذا أو كله، مما سبق ذكر بعضه، ككونه على خلقٍ عظيمٍ فليس بمجنون ولا مسحور، ولبثه فيهم عمرًا يدركون به خلوه من التعليم وحوز الكتب ودربة الشعر، وتقريعهم بصدق وحيه وبيانه قِبال كذب الكهان وغمغماتهم. فتركنا كل هذا واكتفينا بتناقض ما ضربوه من أمثال. وهذا يُذْكِرُك صنيع المعاصرين، إذ كلما أعيتهم معضلةُ لجأوا لسردية جديدة تعارض أختها التي وجَّهوا بها معضلةً أخرى.

لذا رد عليهم الوحي بالوعيد، حين كان من المُدبِر عن الحق ما ذكره الله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ۝ فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ (المدثر: 23-24). و"يؤثَر" تحتمل أنه أثارة ورواية عن سحر الأولين، أو أنه سحرٌ يُفَضَّل ويُختار.

فهذه من أوائل الآيات التي أنزلت، وما سجّلته اعتراف من المُدبِر بعجبها حتى شبهها بالسحر، إذ لم يأت النبي بعد بأي خارق حسي، ولم يأتهم سوى بسورةِ العلق قبلها.

وحين أتاهم الخارق الحسي كان منهم قوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ (القمر: 2).

فلم يستطيعوا أن يقولوا: نأتي بمثله، وركنوا إلى الإعراض. وقولهم بأنه سحرٌ "مستمر" له وجوه، أظهرها أنه دائمٌ متتابع، لأن النبي ﷺ يأتي بالآيات واحدةً تلو الأخرى، بخلاف السحرة، فإن سحرهم ينقطع، وقدرتهم تتناهى، ولا يقدرون على كل شيء، في حين يأتي النبي بالآيات في كل موقف، من اللسان إلى الفعل، ومن الأرض إلى السماء. وقد سجل أيضًا إعراضهم بقولهم: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا﴾ كما سبق، والقاعدة العقلية حاكمة بأن الإعراض لا يكون إلا من مشغولٍ بأهَم أو عاجز عن المهم، فإعراضهم بقولهم: "هذا ليس بخارقٍ إلهي، بل محض سحر"، أو: "لو نشاء لأتينا بمثله"= يمكن أن يُقال في أي تحدٍ، ولأي معاندٍ أن يقول مثله. فإن ثبت عدم انشغالهم عن الأمر بل اشتغالهم به -مما ثبت بتواتر حربهم وتكدر حياتهم بالدعوة- ثم اكتفاؤهم بهذا الإعراض= كان ذلك دليلًا على عجزهم.

.

6- التشكيك في واسطة الوحي وأصله، شيطان أو غيره:

.

فقد شكَّكَ المشركون فيمن يأتيه، فجعلوه شيطانًا أو رئيًا من الجن، ومثلهم طَعَنَ اليهود فيمن يأتيه، وهو جبريل، وذا من جنسه طعن المعاصرين في دلالة المعجزة، وأنها قد تكون من شيطانٍ أو كيانٍ آخر أيًا يكن ذلك الكيان، فلا يوثق به. وقد كان المشركون بها أعقل من المعاصرين، إذ كانوا يؤمنون بهذه الكيانات ابتداءً، في حين يطرحها المعاصر لمحض التشكيك، وكأن ثبوتها عن كيانات أخرى لا يضعه في معضلة أكبر، وهي لزوم إثبات هذه الكيانات، وعلمها وتدبيرها، وسُبُلَ تأثيرها وقصدها، ولا يفيده محض تجويز وجودها، إذ يبقى إشكال وجود الخارق وما يلزم عنه من إثبات غيبيات لها تدبيرٌ وقصدٌ في أرضنا، وتحذير ووعيد، مما لا يدفعه تشكيكهم في مصدر الخارق.

والرد عليهم بكل ما قيل في نفي كونه سحرًا، إذ به يتوصل إلى الجن والشياطين عند من يثبتها، فكل ما قيل هناك يقال هنا. كما تحضر الآيات التي تهون من كيد الشيطان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 76)، وإخباره عن قول الشيطان: ﴿مَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ (إبراهيم: 22)، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (الحجر: 42)، وإخباره عز وجل: ﴿وَقَالَ ٱلشَّیۡطَـٰنُ لَمَّا قُضِیَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِیَ عَلَیۡكُم مِّن سُلۡطَـٰنٍ إِلَّاۤ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِیۖ فَلَا تَلُومُونِی وَلُومُوۤا۟ أَنفُسَكُمۖ مَّاۤ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَاۤ أَنتُم بِمُصۡرِخِیَّ إِنِّی كَفَرۡتُ بِمَاۤ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِینَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ﴾ (إبراهيم: ٢٢). فأنت أيها الإنسان الضعيف تخنسه، ولا يستطيع إلجاءك إلى خلاف الطاعة إلا بوسوسة، وهذا مدرك بالوجدان، ألا تجد أنك تصنعُ الطاعة والخير؟ بل يصنعهما أشرًّ الناس على وجه الأرض وإن مرة؟ فأنى لمن هذا قصاراه أن يقدر على كتابٍ يهدم الجاهلية، ويقيم أمة، ويخبر بالغيب، ويغيّر مجرى التاريخ، ويقهر العرب والعجم، ويأتي بنظامٍ لكل شيء؟ وهو عاجزٌ عن إلجاءِ إنسانٍ واحد مستطيعٍ عازمٍ على الطاعة؟

ورغم ضعف كيد الشيطان عن بلوغ آيات الأنبياء، إلا أن في القرءان تنبيهات أخرى للميز بينه وبين ما يكون من إله، كالذي في قوله تعالى: ﴿ٱلشَّیۡطَـٰنُ یَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَیَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَاۤءِۖ وَٱللَّهُ یَعِدُكُم مَّغۡفِرَةࣰ مِّنۡهُ وَفَضۡلࣰاۗ وَٱللَّهُ وَ ٰ⁠سِعٌ عَلِیمࣱ﴾ (البقرة: 268)، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٦٩)، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (البقرة: ١٦٨). وقوله جلَّ من قائل: ﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦۤ إِذۡ قَالُوا۟ مَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرࣲ مِّن شَیۡءࣲۗ قُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَـٰبَ ٱلَّذِی جَاۤءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورࣰا وَهُدࣰى لِّلنَّاسِۖ...﴾ (الأنعام: ٩١)

فذكر الفرق بين الشيطاني والإلهي، إذ الشيطان يثبّط عن الخير والكرم، فيخوف الإنسان مغبة الصدقة، ويأمر بالشر والفحشاء، وكله يخالف ما يكون من إله ثبتت له الحكمة والرحمة وأحسن الأسماء، وثبت له عقلا وفطرةً مقابلة الإحسان بالإحسان لكمال أفعاله وصفاته، فكيف من هذا كماله أن يقابل الخير والإحسان بسلب الرزق وعدم العِوض في الدنيا أو الآخرة؟ وهل شيء من ذلك في الوحي المنزَّل؟

ثم إنه يأمركم ﴿أَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وفيه إشارةٌ إلى أن العلم قائدٌ إلى معرفة إلهية هذا الوحي، وأن كل ما يخالفه مقولٌ بلا علم، وأن بهذا الدين فقط ينسب القول إلى الله بعلم. وللعلم أدواته المعرفية التي بها قوامُ الحياة والمدنية واختيار النافع والنأي عن الضار، ومبادئه العقل والحس والخبر الصادق، فهل شيء من ذلك إلا قائدٌ لخالقٍ حكيمٍ مدبر، بدلالة الحوادث من حولنا وما فيها من إتقانٍ وصنعة؟ ثم هل شيء من ذلك إلا دالٌ على أن ما أتى به النبي لا يكون إلا من خالقٍ معلِّمٍ إله؟ بدلالة غيوبه وتحديه وشرائعه؟ كيف إن ذكرنا ما في القرءان من أدلة عقلية تنبه لكمال صفاته وشرائعه؟

فمن قال بما في القرءان فقد قال على الله بعلم، أما الشيطان، فهو أصل ما يقوله الإنسان على الله بلا علم ولا هدى، فهل شيء من مضمون القرءان كذلك ليكون شيطانيا؟ وهل أي دينٍ آخر يملك من أدلة الإثبات ما يجعله على نفس وثاقة النسبة لله سبحانه ليكون قولًا على الله بعلم كالقرءان؟ فكيف يكون ما ينسب القول إلى الله بعلمٍ شيطانيًا وكتبكم وآراؤكم ليست كذلك؟ وما الميز حينئذٍ بين الشيطاني وغير الشيطاني في حين ما يبلِّغُ إليه سبحانه بعلمٍ شيطانيًا؟

ثم إن الشيطان عدوٌ مبين، فهل في هذا القرءان ما ينبي عن العداوة والدلالة على المضار والزيغ ومخالفة الفطرة والعقل؟ ومثل هذا فيما جعله الله دلالة على كون التوراة من لدنه سبحانه: ﴿قُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَـٰبَ ٱلَّذِی جَاۤءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورࣰا وَهُدࣰى لِّلنَّاسِۖ...﴾ (الأنعام: ٩١)، إذ لم تكن التوراة معجزةً بنظمها ولغتها، ولكن بما فيها من نورٍ وهدى وغيوب، وإن شابها التحريف وزاد عليها البشر ونسخوها بآراء الأحبار والتلمود، إذ بقي فيها تشريعات وعبادات لله سبحانه، وبقي فيها ما يبشر بنور النبوة الخاتمة هاديًا إليها، وإن أخفى اليهود ذلك، فهذا الذي بلغنا منها عن موسى مناقضٌ لكونها من شيطان، ودالٌ على كونها بتنزيل إله يعلم الغيب ويبشر بالنبي.

وقد رد سبحانه أيضًا بقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ۝ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ۝ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ (الشعراء: 210–212).

وفيه ذكر أن القرآن لا ينبغي للشياطين، إذ ليس مضمونه مما يناسبهم أو تصح نسبته إليهم، فذا نفي لنسبته من جهة مضمونه، إذ به الدعوة للخير، والحطُّ على الشيطان وحزبه، وتعليمنا ما يعيذنا منهم، والإعلان بعداوتهم، كتعليمه سبحانه: ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾ إلى ﴿مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ﴾ (الناس: ٤)، وتعليمه: ﴿وَإِمَّا یَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّیۡطَـٰنِ نَزۡغࣱ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ سَمِیعٌ عَلِیمٌ﴾ (الأعراف: ٢٠٠)، وتعليمه: ﴿فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّیۡطَـٰنِ ٱلرَّجِیمِ﴾ (النحل: ٩٨).

فمن أثبت الشياطين، بطبيعتهم التي لأجلها سموا كذلك، علم بالضرورة أن ما في القرءان لا يكون منهم، فقد جاء بالنهي عن عبادة الأوثان والمخلوقات، والربا، والزنا، وقطيعة الأرحام، والإفساد في الأرض، والسُّكر، والبغاء، والوأد، وأكل مال اليتيم، والحيف على النساء، وظلم العاملين والعبيد، والفحش، والقذف، والسحر، وشهادة الزور، والكذب بعمومه، والأيمان الكاذبة بخصوصها، وعقوق الوالدين، والنميمة، والتسمّع، والتجسس، واللعن، والمنّ، والسرقة، والرشوة، والغش، وقتل النفس، وقتل الغير إلا بالحق، والكبر، والعجب، والرياء، والقمار، والغل، وقطع الطريق، والدياثة، والعري، والقضاء الظالم، والبغي، والشتم، وإيذاء الغير، وإيذاء الجار، دع ما لم نذكره، ودع ما أمر النبي به مما يقابل هذا كله، ودليل ذلك كله آياته المتواترة، إضافةً لإرشادها إلى الاقتداء بالنبي في سنته، فأيّ شيطان هذا الذي يريد صرف الناس عن هذه الموبقات؟ إذ الشيطان إما أن يدعو إلى شرٍ أو إلى ما يصدُّ عن الخير، ولو إلى خيرٍ دونه، والعبرة بمجموع المنتَقَل منه والمنتَقَل إليه، فلا يصح أن يقال: صدَّ عن كل هذه الموبقات لشرٍ جزئيٍ دونها، أو حتى يساويها. فأي شرٍ فوقَ هذه المنكرات أراد الشيطان صرفنا إليه بتأييد النبي الناهي عنها؟ إذ محض النظر في الوحي يوجب الحكم بأن الخير فيه يعلو الشر، وإن نازع الجاحد في بعض ما يزعمه شرورا، كيف إذا كان كل ما جاء به النبي ﷺ خيرًا محضًا يشهده القريب والبعيد؟ فلو كان المشركون متلبسين بالموبقات السابقة، لكانوا أولى أن تؤيدهم الشياطين هم! لا أن تؤيّد النبي، فما مرجّح اختصاص النبي بهم حينئذ والمشركون الآثمون أجدر؟

وربما قال بعض أهل الكتاب: أراد الشيطان أن يصد عن النصرانية أو اليهودية بتأييد رجلٍ عربي يقيم له دينًا يقارعنا، وأن هذا شرٌ أعظم من الشرور السابقة، فيصلح الصد عن تلك الشرور الجزئية لإقامة ما ظاهره الخير لكن يصد عن النجاة الأبدية، وتستباح باسمه دماءٌ وأموالٌ وأعراض.

فنقول: ما الميز حينئذ بين دينكم ودين محمد ﷺ؟ إذ ما قلتموه قد يصدق عليكم، وأي مفرق تذكرونه فثابت في حق النبي الخاتم، ثم ما أدلة صدق أديانكم؟ إذ لا دليل تذكرونه إلا وهو ثابت في حقه، وقد أنزل عليه القرءان ﴿مُصَدِّقࣰا لِّمَا مَعَكُمۡ﴾ (البقرة: 41)، وفي هذا إبطالٌ لأديانكم، إذ لم يعد هناك مفرقٌ بين دينٍ حقٍ ودينٍ باطل وكلها عرضةٌ لتأييد الشياطين، وإن صح أن تكون آيات النبي الخاتم من جنس ما تقدر عليه الشياطين ويأذن به الله، فمثله يُقال فيما ثبت لأديانكم، بل ما بأيديكم دون ما بأيدينا من دلائل. فأي طعنٍ في الإله فوق هذا الذي قلتموه؟ أن يأذن بظهور هذا الدين وبتقوية أدلته فوق أدلتكم، لتبطل أديانكم التي تزعمونها منه سبحانه؟ ثم قد كان للعرب دينٌ وأخلاق -وإن كانت دون تتميم الإسلام- وكانوا ينتسبون لإبراهيم عليه السلام، فكان يسع الشيطان تأييدهم على ما هم عليه بمعجزة القرءان وغيره من المعجزات، فيظهر دينهم على النصارى واليهود، دون تصحيح لعقائدهم الفاسدة، ودون دعوة للتوحيد وعوذٍ من الشياطين، ولو كان الشيطان قادرًا على ما مثل آيات النبي الخاتم فهو قادرٌ على تأييد هراطقتهم بمثلها، وعلى إفساد أديانهم دون حاجة لمثل هذا الخير العظيم في دين الإسلام.

فجعلوا الشيطان كمن أراد إشعال شمعةٍ بإحراق البيت! أو كمن يريد إفساد أبدان الناس، فصرفهم عن دواءِ علةٍ واحدةٍ لدواءِ عللٍ كثيرةٍ أخرى، أو كمن ينصب الرايات لهداية الناس في طرقٍ كثيرة، كي يصدهم عن طريق معين، أو كمن يُسَلّح خصمه ليقضي على خصومه الآخرين، ثم عليه أيضًا!

ثم ذكر أنهم لا يستطيعونه ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ، إذ به تحدٍ لهم أنفسهم وأولياؤهم أن يأتوا بمثله، وفيه الغيوب التي لا تكون إلا من الله كما سيأتي، وقد حجبهم عن سماعها، وذلك في القرءان مؤكد، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ۝ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾ (الجن: ٨–٩)، وقوله سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ۝ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (الجن: ٢٦–٢٧)، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ۝ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ۝ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ (الشعراء: ٢٢١–٢٢٣)، وقرنه عزَّ وجل بين كونه ليس من شيطانٍ رجيمٍ مبعد لما فيه من غيب لم يبخل به عليكم:  ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجۡنُونࣲ ۝٢٢ وَلَقَدۡ رَءَاهُ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡمُبِینِ ۝٢٣ وَمَا هُوَ عَلَى ٱلۡغَیۡبِ بِضَنِینࣲ ۝٢٤ وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَیۡطَـٰنࣲ رَّجِیمࣲ ۝٢٥ فَأَیۡنَ تَذۡهَبُونَ ۝٢٦﴾ (التكوير 20-26).

ونفصّل عجز الشياطين عن الغيوب بتحرير مدلول آية أخرى في الباب، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 97-98). وفي سياقها قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُۥ لَتَنزِیلُ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ۝١٩٢ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِینُ ۝١٩٣ عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِینَ ۝١٩٤ بِلِسَانٍ عَرَبِیࣲّ مُّبِینࣲ ۝١٩٥﴾ (الشعراء: 192-195).

فإنه نزَّلَه على قلب النبي تثبيتًا له، فأورثه يقينًا بأنه مَلَكٌ من الله، وإن جاز ذلك بإذن الله الذي ثبت عقلًا وجوده وتدبيره وعلمه، حال كونه كذبًا وافتراءً= جاز الشك في كل اليقينيات التي يطمئن لها القلب وتجري تحت تدبير الله الذي يسيِّر سنن الكون المؤثرة في عقولنا ومحسوساتنا. فثقتنا بأي يقينيٍ يوجب ثقتنا بأن الله لا يأذن بهذا الجنس من الضلال الذي يوجب الاستفساد العام، وقفل باب النجاة، واستحلال الدماء والأعراض والأموال باسمه، إذ تجويزُ هذا العبثِ يفتح باب تجويز مثله في كل ما تحت ملكوته سبحانه، مما هو دونه في الأولوية.

فإن قيل: هذا يقين النبي فقط، ومطلوبك الرد على الشاكِ في وثاقة الواسطة. قلنا: بل هو يلزم كل عاقلٍ يتيقن شيئا ولا يقبل دفعه بمحض تجويز إضلال الإله. فكونه نزل عليه ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ -الثابت عقلًا تدبيره وإذنه- يستدعي أن الله عالمٌ به، وينزه الله عن العبث والإذن بهذا الذي يفسد الدنيا والدين، بتكلم ملَكٍ ثم رجلٍ باسمه عزّ وجلّ، وتجويز هذا تجويزٌ للشك في غيره مما يدبره سبحانه، من عقلٍ وحس، كما جُوِّزَ الشك فيما اطمأنَّ به قلبُ النبي، وفيما أذن به سبحانه من تنزيل ودلائل.

وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ آية أخرى في أنه ليس من شيطان أو كيان آخر سوى الله، إذ كونه ﷺ مصداقًا لنبوءات من قبله من الأنبياءِ نتيجةٌ لأمور كثيرةٍ مركبة لا يقدر عليها إلا الله، منها: إنزال الكتب السابقة، وتدبير سِيَرُ أنبيائها، ثم تسيير الكون وحوادثه لتنتهي إلى تصديق أولئك الأنبياء، بمولد النبي واسمه وسيرته وما أتى به ثم بظهوره. فهو إذن تحكمٌ بالتاريخ كله، والقادر عليه مطلق العلم والقدرة والتدبير، وذا هو الله. فإن قيل: هذا عند اليهود والنصارى وليس عند الملحد. قلنا: دليل هذا عقلي، وأدنى ما يقال: إنّ القادر على هذا موجودٌ عظيمٌ واجبُ الطاعة، صادقٌ في قوله: إنه الله، أو مَخُوفٌ لا عذر في تكذيبه وتحمُّلِ المجازفة بذلك.

ثم قال سبحانه: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، إذ لو كان النازل عليه عدوا لله شيطانًا لم يكن من شأنه أن يأتيَ النبيَّ بالهدى والطاعة لله، حال كونه بشرى للمؤمنين، والتقييد بـ "المؤمنين" هنا إشارة إلى من يقصدون إلى الإيمان حقًا! أما من يجحدون دلائل الوحي ودلائل العقل، فليسوا قاصدين للإيمان، ومن ثمَّ ليس بشرى لهم، وفيه إلزام كل من هو مؤمن بوجود الحق والبحث عنه= ألّا يشك في أن الله لا يأذن بأن يكون المنزَّل من شيطان أو بغير إذنه سبحانه، ما دام يؤمن بأن الله عالم حكيم مدبر لا يقع شيء إلا بإذنه. هذا من يقصد إلى الإيمان بالحق، وبلوغ مراد الله الذي ثبت عقلًا وفطرةً، أما من يقصد إلى الشك العبثي، والفروض غير المعتبرة، والعنت في الإذعان، وجحد الضروريات والنظريات والفطريات، فليس بشرى له.

وفي بقية القرءان ردود أخرى مضمّنة على هذا، كالذي ذكرناه سابقًا من اختصاصه سبحانه بالغيوب، وتؤكده القاعدة المقررة بأنه لا يعلم الغيب إلا الله أو من يطلعه الله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ۝ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (الجن: 26-27). فذا ثابتٌ عقلًا، إذ لا يُعلَمُ الشيءُ إلا بالاطّلاع عليه أو على أسبابه، والغيب المستقبل خصيصى غيرُ موجودٍ ليٌطَّلَعَ عليه، فبقي الاطَّلاع على سببه، والممسك الأحد بمفاتيح الغيب ومعاقد الأسباب هو الله، بدلالة العقل على لزوم تمانع الآلهة المتعددة، ومن ثم وجوب وحدانية المؤثر المستقل الذي تنتهي إليه سلاسل الأسباب: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدࣲ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَـٰهٍۚ إِذࣰا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲۚ سُبۡحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا یَصِفُونَ﴾(المؤمنون: ٩١).

فهو وحده سبحانه العالم بماجريات المستقبل، ومن ثمَّ فكل ما في القرءان من غيبيات وإخبار عن مستقبلات دليلٌ على أنه نزل على النبي من الله، أو بواسطة مَلَكٍ أبلغه الله.

ومما ينبه إلى سماوية ما جاء به النبي ﷺ أيضًا، ما ذكره الله عن هود ﷺ: ﴿قَالُوا۟ یَـٰهُودُ مَا جِئۡتَنَا بِبَیِّنَةࣲ وَمَا نَحۡنُ بِتَارِكِیۤ ءَالِهَتِنَا عَن قَوۡلِكَ وَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِینَ ۝٥٣ إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعۡتَرَىٰكَ بَعۡضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوۤءࣲۗ قَالَ إِنِّیۤ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوۤا۟ أَنِّی بَرِیۤءࣱ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ۝٥٤ مِن دُونِهِۦۖ فَكِیدُونِی جَمِیعࣰا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ۝٥٥ إِنِّی تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّی وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَاۤبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِیَتِهَاۤۚ إِنَّ رَبِّی عَلَىٰ صِرَ ٰ⁠طࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ ۝٥٦﴾ (هود: ٥٣-٥٦).
فاتهموا هودًا بالجنون، وأنه عقابُ بعض آلهتهم، لدعوته قومه إلى تركهم، فدفَعَ هودٌ دعواهم بالواقع المشهود، والعقل الفطري، أما شهادة الواقع فبالتحدي الظاهر، استدلالًا بالنصرة والحماية، فإن كانت بعض آلهة قومه سببًا لجنونه، فليكيدوه جميعًا بآلهتهم، في التو واللحظة، دون إنظارٍ وتأجيل وتمهيدٍ للاستعداد، وهم قادرون عادةً على قتله وإيذائه وحدهم فكيف بآلهتهم معهم؟ إلا أنه متوكلٌ على كل حال، واثقٌ من المآل، خارقٌ للعادة بإعجازهم عن إنفاذ كيدهم. ثم أناط توكله وثقته بما دل عليه العقل الفطري، من تدبير الله لأمر سماواته وأرضه، فلا دابة إلا وهو آخذ بناصيتها، فكيف بما هو فوق الدواب خطرا؟ وتدبيره فرع علمه، فهو عالمٌ بهم وبه، متصرفٌ في الجميع، فوحدانيته الثابتة عقلًا مبطلةٌ لدينهم، ودالةٌ على أن المعتصم به والداعي إليه على الحق الذي لا لبس فيه، في حين يلتبس أمر الشركاء ومؤلهيهم، بعبادة من لا برهان على ألوهيته، واختلافهم في آلهتهم حال اتفاق من يعقل على أن مدبر الأمر واحد. ثم ختم بأنه سبحانه على صراط مستقيم، أي طريقة واضحة ظاهرة لا عوج فيها، من العدل والإحسان والتنزه عن الظلم، وفيه إشارتان، إلى أن ما هودٌ عليه وينسبه إلى ربه ظاهرٌ مستقيمٌ مقارنةً بما هم عليه، وإلى أن الله كامل سبحانه في عدله وإحسانه، فلا يجوز في حقه أن يؤيدهم ويخذله، فينصر كيدهم ويدعه، أو يأذن بجنونٍ يتهمونه به حال كونه يدعوهم إلى طريقٍ مستقيم.
وهذا في القرءان تنبيه إلى ما يستدل به أيضًا في هذا الباب، من دلالة الواقع المشهود للنبي محمد ﷺ، فقد أمره الله أن يتحداهم عين هذا التحدي: ﴿قُلِ ٱدۡعُوا۟ شُرَكَاۤءَكُمۡ ثُمَّ كِیدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ﴾ (الأعراف: ١٩٥)، إضافةً إلى كل دلائل نبوته التي تمنع كونه ممسوسًا أو مؤيدًا من شيطان في دعوته إلى الله الأحد. زد كل ما سبق الاستدلال به من مضمون وحي النبي الخاتم، وكونه على طريق مستقيم في توحيده الذي يدعو إليه، وأخلاقه التي يحث عليها. إضافةً لدلالة كونه سبحانه مدبرًا عليمًا عدلًا حكيمًا {عَلَىٰ صِرَ ٰ⁠طࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ}، فلا يؤيد المتنبئ الكاذب بالبراهين، ولا يأذن بأن يُعترى مثل محمد ﷺ بما جاء به من دلائل ومضامين، إن بجنون أو بتدبير شيطان، وأن من يجوِّزُ كل هذا فقد خالفَ عقله وفطرته الدالين على كماله سبحانه، وجعل خير الموجودين شرهم، ونسبه إلى الروغان والعِوَج لا الطريق المستقيم، والله منزه عن ذلك سبحانه. 

زد الآيات التي تنزه رب العالمين عن العبث واللعب والخلق سدى، كقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: 115)، و: ﴿أَیَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَـٰنُ أَن یُتۡرَكَ سُدًى﴾ (القيامة: ٣٦)، و: ﴿وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَاۤءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَیۡنَهُمَا لَـٰعِبِینَ﴾ (الأنبياء: ١٦)، و: ﴿وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَاۤءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَیۡنَهُمَا بَـٰطِلࣰاۚ ذَ ٰ⁠لِكَ ظَنُّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ۚ فَوَیۡلࣱ لِّلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ (ص: ٢٧). كذلك مدح من ينظرون في تسخير السماوات والأرض فيأبون أن يكون كل هذا لباطلٍ زائلٍ بلا غاية، بل لأمرٍ عظيم من حسابٍ وجزاء: ﴿ٱلَّذِینَ یَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِیَـٰمࣰا وَقُعُودࣰا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَیَتَفَكَّرُونَ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَـٰذَا بَـٰطِلࣰا سُبۡحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ (آل عمران: ١٩١). كما أنكر سبحانه أن يظن به ترك الناس دون ذكر، بل حتى ترك المسرفين غير المستحقين دون تذكيرهم: ﴿أَفَنَضۡرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكۡرَ صَفۡحًا أَن كُنتُمۡ قَوۡمࣰا مُّسۡرِفِینَ﴾ (الزخرف: ٥)، وأنهم ما كانوا متروكين منفكين حتى تأتيهم البينة: ﴿لَمۡ یَكُنِ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِینَ مُنفَكِّینَ حَتَّىٰ تَأۡتِیَهُمُ ٱلۡبَیِّنَةُ﴾ (البينة: ١)، وأن لا بد من البعث لتتحقق غاية الخلق، فيميز الحق من الباطل تمييزًا خاتمًا ينال به كل إنسان عاقبته: ﴿وَأَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ لَا یَبۡعَثُ ٱللَّهُ مَن یَمُوتُۚ بَلَىٰ وَعۡدًا عَلَیۡهِ حَقࣰّا وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ ۝٣٨ لِیُبَیِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِی یَخۡتَلِفُونَ فِیهِ وَلِیَعۡلَمَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ أَنَّهُمۡ كَانُوا۟ كَـٰذِبِینَ﴾ (النحل: ٣٨-٣٩). وكذلك أنكر الله على المشركين ظنهم أنه يسوي بين المسلمين والمجرمين دون بينة في الدنيا وحساب في الآخرة: ﴿أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِینَ كَٱلۡمُجۡرِمِینَ ۝٣٥ مَا لَكُمۡ كَیۡفَ تَحۡكُمُونَ﴾ (القلم: ٣٥-٣٦)، ومثله في قوله تعالى: ﴿أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِینَ ٱجۡتَرَحُوا۟ ٱلسَّیِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَاۤءࣰ مَّحۡیَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَاۤءَ مَا یَحۡكُمُونَ﴾ (الجاثية: ٢١)، ومثله في قوله عز وجل: ﴿أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِینَ فِی ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِینَ كَٱلۡفُجَّارِ﴾ (ص: ٢٨). وتأول بعضهم قوله سبحانه: ﴿وَحَرَ ٰ⁠مٌ عَلَىٰ قَرۡیَةٍ أَهۡلَكۡنَـٰهَاۤ أَنَّهُمۡ لَا یَرۡجِعُونَ﴾ (الأنبياء: ٩٥)، بأنه دالٌ على وجوب الرجعة بعد الهلكة بمقتضى الحكمة، فلا يُتركون ليموتوا سدى دون حساب أخروي.

فنبه لما أثبته العقلاء ورسخ في الفطرة من ذلك، إذ العقل يمنع ترجيح فعلٍ على آخر بلا مرجح، ولا تجد أحدًا يثبت الله إلا ويجد فطرةً أنه كامل، وأنه لا يفعل إلا لحكمةٍ وغاية، وذا مطرد في البشر والتاريخ، وفي العامة والخاصة، وهي أمارة الفطرة، إلا من نكست فطرته كلاميات ظنية تنازع أهلها، وحتى هؤلاء تجدهم يلهجون بما يقتضي الحكمة والغائية حال غفلتهم عن النظريات، فلا بد من اتصال وخطاب منه سبحانه إلينا يطلعنا على غاية خلقنا. وأي حكمة وغاية للخلق تبقى إن تُرِكوا دون بيان؟ بل أبعد عنهما تَركُ الشيطانِ أو أي كيان آخر يتكلم باسمه دون مفرّق بين ما هو منه وما هو من غيره، ليقفل باب العلم بما يريده سبحانه من خلقه، وليقوم عذر الخلق في تهارجهم واتباعهم كل ما يتبعونه من الأديان والمذاهب.

ولا يحتجن أحدٌ بأهل الفترة، إذ من يبلغه دينُ نبيٍ سابقٍ وَجَب أن يتّبعه، ومن قام عذره منهم فحشوُ الأرض، قد خُلِقوا لغايات أخرى، وحسابهم واختبارهم على الله، فليسوا ما لأجله خلق الله السماوات والأرض، بل خلقها لأجل من كلفوا بالإيمان وقامت عليهم الحجة.

ولا يقال: كان بالإمكان تحقيق مراده منهم بخلق علومٍ ضرورية فيهم، لا يخامرها شكٌ أو غفلة، فذا حقيقته الجبر على الإيمان! ويكفي لدفع هذا ألَّا يكون مرادًا لله، إذ ليس مراده سبحانه محضُ إعلامهم أن ها هنا أنبياء، بل الاختبار، أي اختبارهم بتصديق رسالاته واختيار ذلك مع قدرتهم على ضده، فهل تُكلَّفُ باختيار محسوسك؟ وهل تُكلَّف باختيار العلم بأن النقيضين لا يجتمعان؟ فإن أردوا علمًا ضروريًا مُجبِرًا فذا يقفل باب التكليف باختيار التصديق والأخذ بأسبابه، وينتفي به ما لأجله خلق الأرض وسخرها، وما لأجله جعلهم فيها مفطورين على العلم به وطلب الحق من جهته. فإن أريد: خلقُ علومٍ ضرورية لا تمنع الغفلة واتباع الهوى واختيار عدم الإذعان والكفر، بقي الأمر كما هو، بل الناظر في أدلة النبوة يصلُ إلى هذا اليقين، بشرط الإخلاص وطلب النجاة. ثم إن لله مرادات أخرى بوجود الأنبياء ووجود من يكذبهم، وغايات عليا شأن حصولها هذا المسلك.

وجمهور ما سبق بيانه يرد على من يؤمن بشيطان مُفسِد كما قلنا، أما محيل النبوة إلى كيان مجهول سواه، فأنعم به من كيانٍ أراد لنا الفضيلة والمكارم، وصدنا عن الموبقات، فلِمَ يَكذِبُ وهذا شأنه في الخيرية بنسبةِ الوَحيِ لرب العالمين؟

ثم أين أثر هذا الكيان فينا ما دام قادرًا على مثل القرءان وخوارقه وغيبياته؟ فكل ما قيل في الشيطان يقال في غيره، بل الشبهة في الشيطان أعلى إذ من شأنه الإضلال والكذب والصرف عن الحق عند مثبتيه، فالتوجس من تدخله مسوَّغ، فما شأن الكيان الوهمي عند من لا يثبت شيئًا، وما غرضه في كل هذه السردية؟ وما قدرته مخلوقًا على مثله؟ 

ثم هل يكذب إلا جاهلٌ أو مفتقر؟ في حين ثبت لهذا الكيان -بما جعله في القرءان من آيات وعلوم وبتسيير التاريخ ليصدّق النبي نبوءات من قبله- من كمال القدرة والعلم والغنى ما يجعله بعيدًا عن كَذِبٍ يتنزه عنه ضَعَفة البشر، وما يجعله مَخُوفًا لقدرته فلا يسع العاقل عدم اتِّبَاعه وعقابه محتمل.

وختامًا، قد شهد الله بما جعل في القرءان من آيات بأنه من عنده:  ﴿لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ یَشۡهَدُ بِمَاۤ أَنزَلَ إِلَیۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ یَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِیدًا﴾ (النساء: ١٦٦)، فقام ما في الوحي من دلائل مقام الشهادة الإلهية، وأنه لا يمكن أن يكون إلا نازلًا بعلمٍ إلهي لا يطيقه مخلوق. فلا يقال: نحن لم نسمع شهادة الله بذلك، إذ آيات النبوة في المـُنَزّلِ قائمة مقام الشهادة، ودالةٌ على التنزيل بعلمه سبحانه. كما شهد بإذنه للنبي بالبلاغ عنه، بعدما قامت دلائل صدقه، وتركه يبلِّغ وهو بهذه المثابتة شهادة بالصدق، فكيف إن أيده بأنواع من الدلائل؟ وإلا ما كان ليدعه كما قال سبحانه: ﴿تَنزِیلࣱ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ۝٤٣ وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَیۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِیلِ ۝٤٤ لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡیَمِینِ ۝٤٥ ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِینَ ۝٤٦﴾ (الحاقة: ٤٣-٤٦)، وكقوله تعالى: ﴿أَمۡ یَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبࣰاۖ فَإِن یَشَإِ ٱللَّهُ یَخۡتِمۡ عَلَىٰ قَلۡبِكَۗ وَیَمۡحُ ٱللَّهُ ٱلۡبَـٰطِلَ وَیُحِقُّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦۤۚ إِنَّهُۥ عَلِیمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (الشورى: ٢٤)، وكقوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَمۡ یَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَیۡتُهُۥ فَلَا تَمۡلِكُونَ لِی مِنَ ٱللَّهِ شَیۡـًٔاۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَا تُفِیضُونَ فِیهِۚ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِیدَۢا بَیۡنِی وَبَیۡنَكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ﴾ (الأحقاف: ٨).

وهذا فيما لو نسب لله كذبًا أو تقول عليه بعض الأقاويل، بعدما قامت دلائل رسالته، فإن كان العقل مانعًا من أن يأذن الله بهذا، فكيف يأذن سبحانه بما فوقه، وبأن يتقول عليه شيطانٌ ويقيم دلائل صدق من وسوس إليه؟ وكل هذا يُعلَمُ بمجرد ثبوت دلائل اتصال النبي بالغيب وخرقه عوائد البشر، وثبوت علمه وقدرته وتدبيره وحكمته سبحانه عقلًا وفطرة، ليُعلَمَ أنه اتصل برب العالمين.

لذا قال الله قولًا عامًا رافعًا ما يخاله الجاحد محتملًا: ﴿وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن یُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصۡدِیقَ ٱلَّذِی بَیۡنَ یَدَیۡهِ وَتَفۡصِیلَ ٱلۡكِتَـٰبِ لَا رَیۡبَ فِیهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾ (يونس: ٣٧).

فلا يمكن -ولو بالاحتمال العقلي- أن يكون القرءان منفكًا عن الله، عن علمه وإذنه، نازلًا من دونه، إذ ثبت عقلًا وفطرةً عدم عزوب شيء عن تدبيره، فكيف يكون مفترى عليه ومصدقًا بالدلائل في غفلة منه سبحانه؟ ولا يمكن بمضمونه إلا أن يكون من مصدرٍ إلهي، لغيوبه الدالة على علمِ قائله بالماضي والحاضر والمستقبل، ولتفاصيله الدالة على حكمة مشرّعه، ولما اكتنفه من تدبير التاريخ والوقائع الدالة على قدرته، ولإعجاز لغته الدالة على كل ما سبق، فأنى لجاحد أن يسوغ كل هذا طبيعيًا دون علقة بعليم قدير حكيمٍ أولٍ آخر هو الله؟ أو أن ينسبه لمن صفته دون ما يقتضيه تنزيل القرءان وما تضمنه واكتنفه من دلائل؟

كما أن تصديقه لما قبله من الكتب والبشارات دلالة كونه من مشكاةٍ واحدة، فأنى لكتابي أن يجحد إلهية مصدره وفيه ما فوق كتبه من الآيات؟ وأنى للاديني أن يسوغ نسبته لمن يدبر العالم والتاريخ ليكون المتأخرُّ مصدقًا للمتقدّم؟ ولمن يعلم ماجريات الأوائل والأواخر؟

وكذلك ما فيه من تفاصيل الأحكام والشرائع التي تهيمن على كل كتابٍ نُزِّلَ سابقًا حكمةً ورحمة، فهي لبنة أخرى في بناء دلالته على عليمٍ بالدقائق والخفايا، خبيرٍ بالحِكَمِ والمصالح، الدينية والدنيوية، الحاضرة والمستقبلية، وهو رب العالمين.

 .

7. شبهة الاقتباس والتعلم من البشر

.

كذلك محاولتهم نسبة ما أتى به لأعجميٍ أو لأساطير الأولين، فمثله محاولات المعاصرين من مرددي دعوى "المنابع البشرية" للقرءان، كأنّما جاء ترجمانًا لكتب سابقة، أو كأنه منقولٌ عن الأحبار والكتابيين، أو مجموعٌ من شعثِ مداولات مجتمعه. وهذه الشبهة -وإن تشابه لفظُها- فالمشركون فيها أعقل، لأن القرءان كان يتنزّل بين أيديهم شيئًا فشيئًا، وما كانوا يُحيطون بجميعه، ولا كانوا محيطين بما عند الكتابيين، فسَهُل عليهم الرمي في عماية، أما المعاصر فإن القرءان بين يديه كاملًا، ويستطيع اليوم سريعًا عقدَ المقارنات، ومراجعةَ مئات المخطوطات، والتمييز بين التوراة والسامرية، والسريانية والعبرية، وبين موجودها وما اندثر منها. ثم إن المشركين كانوا في خضمّ المنازعة، جاهلين بالعواقب، في حين علم المعاصر نتيجة النزاع، وبلغته ثمرةُ عجز المشركين عن الإتيان بمثل القرءان، وذلك بظهور الدعوة وعدم المعارضة، مع كون خبرها -ولندع لفظها- أيسر نقلًا من القرءان، وأعظم أثرًا في هدم الدعوة مما ينصرها، دع ظهور بيان الوحي ولغته لقرون بعد ذلك، مع ما أثمره من علوم لغة وبيان. بل حتى التقاطعات النصية والمعنوية مع الكتب السابقة، يستطيع المعاصر في ثوان أن يعرفها، ويدرك كونها تقاطعات مع رسائل ومخطوطات متعددة، متنوعة، نادرة، مختلفة اللغات، فلا يمكن أن تكون من أعجمي واحدٍ، أو اثنين، أو عشرة! لا سيّما في جزيرة العرب وفي ذلك الوقت، بل ولا من حبرٍ عليمٍ من بطون فارس والروم والإسكندرية إن تنزّلنا. فدعوانا أعلى من استحالة كون القرءان من رجلٍ عربيٍ أميٍ في ذلك القرن، بل نحيل كونه من حَبرٍ مُعلَّمٍ في مراكز العلمِ آنذاك، وبين أيدينا كتب أحبار ذلك العصر وما بعده، فهل تجد عند أحدهم إحاطة بكل ما أحاط به القرءان؟ أو ما يشير إلى إدراك أحدهم ما أدركه منزّل القرءان من كتب ومخطوطات؟

ولنمثل بسورة البقرة، فبعض ما يحتاجه قارئٌ ليؤلف قصص وأحداث هذه السورة:

1- التناخ أو العهد القديم.

2- العهد الجديد بأناجيله ورسائله.

3- سفر حياة آدم وحواء (Life of Adam and Eve).

4- سفر أخنوخ (Book of Enoch).

5- أعمال بولس وثكلا (Acts of Paul and Thecla).

6- رؤيا بطرس (Apocalypse of Peter).

7- الرؤيا السريانية لباروخ (2 Baruch / Apocalypse of Baruch).

8- التلمود البابلي (Babylonian Talmud).

9- مدراش سفر الخروج (Midrash Shemot Rabbah).

10- الترجومات الآرامية (مثل: ترجوم يوناتان).

بل أكثر من هذا ولكن اكتفيت بعشرة. ونحن هنا نتجاوز الإعجاز البلاغي مكتفين بالمضمون، بل بعض المضمون، بل بعض مضمون سورة. وتنبّه إلى أن بعض ما في القائمة هو مجموع أسفار وأناجيل ورسائل عديدة، كالعهدين، والمقتَبِسُ بحاجة لعدد كبير منها، لا لسفر واحد أو رسالة، ولكني اختصرت فلم أذكر التفاصيل. فأنت بين أمور ثلاثة: ١- إما أنه أوحي إليه من موجودٍ أعلى، ٢- أو هو عالمٌ مطلّع يتقن عدة لغات وذو مكتبة نادرة وصلات ظاهرة، ٣- أو على اتصال بمن هذا شأنه. فليس مصدر القرآن رجلًا أميًا ولا حتى إنسانًا عاميًا بيقين، إذ هذا لم يعد محل نزاع عند عاقل. فكل سردية لا تفسر علمه بأمور في رسائل وكتب أهل الكتاب -بل وغير أهل الكتاب- على غفلةٍ من قومه ومن أهل الكتاب أنفسهم، وحال تحديه إياهم وترصدهم= سردية ولدت ميتة.

كما لا يقول عاقل بعد هذا أن مضمون القرءان مما يفشو العلم به ويُتناقل شفهيًا، أو يُعلَمُ جماعيا فلا حاجة لمعلّم، إذ لم يدّعه حتى المشركون لكونهم أعقل من بعض المعاصرين، لذا زعموا للنبي معلما، ففي القرءان تفاصيل وعلوم خاصة ليست مبثوثة بينهم. والاعتقاد أو القول الأسطوري المتداول شفهيا في مجتمعٍ من المجتمعات لا تكون حاله كالذي جاء في القرءان، فليست تقاطعاته مع الكتب من جنس: "وُجِدَ شخصٌ يُدعى عيسى! وآخر يُدعى موسى!" بل هي بحيث لا يحتملها مجتمعٌ واحد ليمكن تسويغها بالتداول الشفهي الشعبي، لا كمًا ولا كيفًا، إذ 1- توافق أو تتناول ألفاظًا وصياغات نصية لا تتداولها شفاه العامة بنفس الألفاظ والصياغات والترتيب، بل بعضها اقتباسات نصية، 2- دع تنقيحها وتصحيحها لموافقة الواقع، 3- دع ندرتها وعدم اطلاع العامة عليها بل ولا أكثر الخاصة، 4- دع طولها وكثرتها وتنوعها، فيستحيل عادةً أن يتداولها بمجموعها عامة الناس أو مجتمعٌ من المجتمعات في سياقه الشعبي.

فلو ألقيتَ اليوم رجلًا في بلدة مسيحية وسلبته الاتصال بالشبكة فلن يحسن الوصول إلى هذه المصادر وتأليف ما ورد بمحض الثقافة الشفهية دون أن يذهب ويجي إلى المكاتب والمختصين حتى يُعرَفَ صنيعه. بل سورة البقرة نفسها، وقد نزلت وكُتِبَت وحُفِظت، لو أراد أن يجمع آياتها اليوم من لا يحفظها أو يملكها مكتوبةً فسيجمعها من بشرٍ كُثُر، أو يتصل ببعض الحفاظ.

كيف والتراث التفسيري لمن اتصلوا بأهل الكتاب حقًا من الصحابة والتابعين وأتباعهم يكشف جهلهم بكثير مما ورد في الوحي؟

ثم حساب الاحتمالات يمنع هذا، فلو فرضنا كتابًا يحوي معاني (أ-ب-ت-ث-جـ)، فجاء رجلٌ بـ (أ)، فقد نحتمل أن يكون مما يتداوله الناس من مضمون ذلك الكتاب، فإن جاء بـ (ب)، قل الاحتمال، حتى يصير ضئيلًا إن أتى بها كلها. كيف إن أتى بها كلها ثم أتى بـ (ح-خ-د-ر) الموجودة في كتابٍ آخر أيضًا؟ فكيف أن كان الكتابان نادرين؟ فكيف إن كانا بلغتين مختلفتين لا يتكلم بهما الرجل ولا مجتمعه؟ فكيف إن كان (أ وب وت... إلخ) أمورًا طويلةً توافق بعض ألفاظ وصياغة وترتيب ما في تلك الكتب، لا المعاني فقط، وبعضها يصحح وينقح؟ حساب الاحتمالات لا يقبل شيوع كل هذا شعبويا وتداوله في مجتمعٍ -أي مجتمع-. 

هذا ولم أعبأ بإثبات فقر الثقافة الشفهية في المجتمع العربي -بل وغير العربي-، وخفاء أكثر الكتب التي يُحال عليها، وتعدد لغاتها، وانتثار مواقعها، وأن تجارة النبي لا تعني التلمذة على القساوسة في غفلة من القافلة، في حين هي رحلة يتيمة قبل سنوات من تنزّل الوحي منجمًا على الحوادث في بضعٍ وعشرين سنة تقتضي استمرار التلمذه والاقتباس طيلة هذا وعلى عين الأتباع والمترصدين!

وهذه مقدمة مجملة يدركها العاقل بنفس ما يدرك به أن نصًا ما عاديٌ مبثوثٌ وأن نصًا آخر من علوم الخاصة والكتب، أما الرد التفصيلي، فكل ما قيل في الرد على شبهة التشكيك في سيرته يُقال هنا، من أنه لبث فيهم عمرًا، وشهدوا سيرته، ولو استطاعوا أن ينموا القرءان إلى غيره أو يزعموا علم مجتمعهم بمضامينه لفعلوا، وكانوا بذا أولى.

وقد نبه القرآن في آيات كثيرة إلى أن ما فيه من أنباء لم يكن يعلمها لا النبي ولا قومه: ﴿تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَاۤءِ ٱلۡغَیۡبِ نُوحِیهَاۤ إِلَیۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَاۤ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَـٰذَاۖ فَٱصۡبِرۡۖ إِنَّ ٱلۡعَـٰقِبَةَ لِلۡمُتَّقِینَ﴾ (هود: ٤٩)، و: ﴿وَكَذَ ٰ⁠لِكَ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ رُوحࣰا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِی مَا ٱلۡكِتَـٰبُ وَلَا ٱلۡإِیمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلۡنَـٰهُ نُورࣰا نَّهۡدِی بِهِۦ مَن نَّشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِیۤ إِلَىٰ صِرَ ٰ⁠طࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ﴾ (الشورى: ٥٢)، و: ﴿نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَیۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَاۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَـٰفِلِینَ﴾ (يوسف: ٣).

ونبه إلى خلو مجتمعهم من الكتب ومن قرب عهدٍ بمنذرين ليقبس منهم أو يروي عنهم: ﴿وَمَاۤ ءَاتَیۡنَـٰهُم مِّن كُتُبࣲ یَدۡرُسُونَهَاۖ وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَاۤ إِلَیۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِیرࣲ﴾ (سبأ ٤٤). 

بل نبه لهذا بطريق التهكم بالكافرين في قوله سبحانه: ﴿ذَ ٰ⁠لِكَ مِنۡ أَنۢبَاۤءِ ٱلۡغَیۡبِ نُوحِیهِ إِلَیۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَیۡهِمۡ إِذۡ یُلۡقُونَ أَقۡلَـٰمَهُمۡ أَیُّهُمۡ یَكۡفُلُ مَرۡیَمَ وَمَا كُنتَ لَدَیۡهِمۡ إِذۡ یَخۡتَصِمُونَ﴾ (آل عمران: ٤٤)، و: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِیِّ إِذۡ قَضَیۡنَاۤ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّـٰهِدِینَ﴾ (القصص: ٤٤)، و: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذۡ نَادَیۡنَا وَلَـٰكِن رَّحۡمَةࣰ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمࣰا مَّاۤ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِیرࣲ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ یَتَذَكَّرُونَ﴾ (القصص: ٤٦)، وقال بعد قصة يوسف: ﴿ذَ ٰ⁠لِكَ مِنۡ أَنۢبَاۤءِ ٱلۡغَیۡبِ نُوحِیهِ إِلَیۡكَۖ وَمَا كُنتَ لَدَیۡهِمۡ إِذۡ أَجۡمَعُوۤا۟ أَمۡرَهُمۡ وَهُمۡ یَمۡكُرُونَ﴾ (يوسف: ١٠٢)، إذ علم المستمعون أنه لم يقرأ هذه الأخبار ولم يروها عن أحد، فلم يبق إلا أن يكون حاضرًا ليخبر بها! فنفى الوحي ذلك على سبيل التهكم، إذ لم يبق إلا الحضور أو الاعتراف بالوحي الإلهي.

كما نص القرءان على أن بعض ما فيه مما في الصحف الأولى، وأن هذا دليل نبوة، إذ ليست مبثوثة بينهم ولم يدركها النبي بتعلم: ﴿وَقَالُوا۟ لَوۡلَا یَأۡتِینَا بِـَٔایَةࣲ مِّن رَّبِّهِۦۤۚ أَوَلَمۡ تَأۡتِهِم بَیِّنَةُ مَا فِی ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ﴾ (طه: ١٣٣)، بل في الآية أنه أتاهم ببينتها، فما جاء به خيرٌ مما فيها، ولا يملك هذا إلا نبيٌ أو من علَّمه نبي، وقد علموا انتفاء الثاني.

كما نبه القرءان إلى خفاء ما بأيدي أهل الكتاب، وأنهم برغم ما بأيديهم تعلموا من الرسول ما لم يكونوا يعلمون لا هم ولا آباؤهم:  ﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦۤ إِذۡ قَالُوا۟ مَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرࣲ مِّن شَیۡءࣲۗ قُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَـٰبَ ٱلَّذِی جَاۤءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورࣰا وَهُدࣰى لِّلنَّاسِۖ تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِیسَ تُبۡدُونَهَا وَتُخۡفُونَ كَثِیرࣰاۖ وَعُلِّمۡتُم مَّا لَمۡ تَعۡلَمُوۤا۟ أَنتُمۡ وَلَاۤ ءَابَاۤؤُكُمۡۖ قُلِ ٱللَّهُۖ ثُمَّ ذَرۡهُمۡ فِی خَوۡضِهِمۡ یَلۡعَبُونَ﴾ (الأنعام: ٩١). كما نبه إلى اختصاصه بما يعلمه علماء بني أسرائيل، فليس من المبثوث بين عامتهم، دع إدراكهم لاختصاصه بالعلامات التي بشرت بها كتبهم: ﴿أَوَلَمۡ یَكُن لَّهُمۡ ءَایَةً أَن یَعۡلَمَهُۥ عُلَمَـٰۤؤُا۟ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ﴾ (الشعراء: ١٩٧).

فكل آيةٍ مما سبق تحدٍ مستقل، يملكون دحضه لو كان ما أتاهم به من أنباءٍ مبثوثًا بينهم يعلمونه، وكان أسهل عليهم من المعاصرين الذين يزعمون بيئة مكة زاخرة بالقصص والتفاصيل الكتابية والأحبار، فهلَّا نقضوا دين النبي الخاتم بإبراز علومهم، والتنبيه لكون وحيه عاديًا من مجموع ثقافتهم؟ لا سيما وهو يقرعهم بأن جاءهم بما يجهلون وبما لم يعلمه هو نفسه قبل هذا وما كان لدى أهله؟

كما رد القرءان عليهم كذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 103).

فالقرءان إنما كان معجزًا لما فيه من الدلائل العائدة إلى اللفظ، فبتقدير أن يكونوا صادقين في أن النبي ﷺ يتعلم تلك المعاني ممن أحالوا إليه، فإن ذلك لا يقدح في المقصود، فيكون أعجزهم بصياغته العربية لما تعلمه أعجميا.

وقد كان كذبهم قبل هذا في دعوى التعلم، إذ تَعلُّمُ ما به يؤلف القرءان لا يتم خفيةٍ أو بغتةً من الزمن، بل يحتاج أزمنة متطاولة ويشتهر، بل لو وُجِدَ معلمٌ قادرٌ على مثل مضامين القرءان الموسوعية لاشتهر، دع إثبات اتصال النبي به. والنبي لبث فيهم عمرًا، وما شهدوه خطّ بيمينه، أو مارس شيئًا من هذه العلوم، دع تعلمها من غيره والجلوس إليه زمانًا يسوّغ كل ما أتى به.

والحظْ أنهم أحالوا الأمر لأعجميٍ واحد ما أطاقوا سواه، ولو أن مكة بيئة زاخرة بالأعاجم والمعلمين لما أعجزهم أن يحيلوا لكثر، ولكان الأصل ألّا يحيلوا أصلًا بل ينبهوا لفشو هذه العلوم فيهم، إن كان المعتاد أن ينشأ الرجل منهم متتلمذًا مخالطا لأولي العلم بمضامين الوحي.

ثم إن مضمون القرءان لا يقبل النسبة لبشر وإن بالمدارسة، فقد قال تعالى أيضًا حاكيًا شبهتهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا ۝ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ۝ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الفرقان: 4-6). فأجابهم بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾، وهذا القدر على قصره كافٍ جوابًا،  إذ الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وما اتصف به القرءان لا يحتمل جعله منسوبًا لغير إله، كيف ولو كان من آخرين لأمكنهم أن يُعارَضوا بآخرين مثلهم. أما الزور فالشهادة الكذب، وقد شهدوا مكانة القرءان وشهدوا عجزهم، وسُجِلَ عليهم بمتواتر الأدلة وبمحض ظهور الدين القائم على دعاوى هي أسهل ما تكون  دحضًا إن كذبت، ولا أريد الدحض بالمعارضة، بل يكفي تكذيب أي جملةٍ خبريةٍ في القرءان. فهي شهادة زورٍ إذن، وليأتوا بشاهد واحدٍ لئلا تكون زورًا إن استطاعوا.

ثم زاد الوحي بقوله: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ...﴾، لأن القادر على مثل القرءان لا بد وأن يكون عالمًا بالأسرار باقرًا لبطون الكتب، مطلعًا على الخفايا، فهو مشتملٌ على غيوبٍ ماضية وحاضرة ومستقبلية لا يعلمها إلا إله، ونَظمٍ لا يبلغه بشر وإلا لنظم مثله أولى الناس بذلك، وتشريعٍ يقيم أمة تمتد إلى قيام الساعة، وعلومٍ تتوزّع على حقول كثيرة، وتقاطعات مع كتب لليهود والنصارى وغيرهم لا يحوزها ويطلع عليها كلها اليوم أحد، دع سابقًا، دع في الحجاز، فكيف يكون كل هذا من بشري، فضلاً عن أعجمي، فضلًا عن أمّي!

ويتأكد دفع الشبهة بكل آية تتحدى العرب أن يأتوا بمثل القرءان، بل بعضها يتحداهم أن يأتوا بآيات "مفتريات"، كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾(هود: 13).

أي لا داعي لمراعاة مضمونها الخبري، بل يكفي أن تقارع بلاغة القرءان ونظمه. فلتكن مفتريات كما افتري، وليكن مضمونها من مبتدعات عقولكم، لئلا تتذرعوا بأن مضمونها ليس إليكم إذ لم تحوزوا ما حازه النبي بزعمكم من معلمين أعاجم أو كتابيين. فافتروا مثله، وعارضوه مستعينين بمن شئتم. ولا يُقال: مَن الحَكَم الشاهد بأنهم عارضوه حينئذ وأتوا بمثله إن فعلوا؟ إذ نقول: النبي تحداهم حال الاستضعاف، فهم الخصم والحكم، وأشهدهم على أنفسهم: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِی رَیۡبࣲ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُوا۟ بِسُورَةࣲ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُوا۟ شُهَدَاۤءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ﴾(البقرة: 23)، دع أن المسشتكل ملكيٌ أكثر من الملك، فإنهم ما نازعوه في المعيارِ أو في حد المثلية بل قالوا: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا﴾ (الأنفال: 31)، ولو وسعتهم الحيلة أن يأتوا بأي شيء مقارب ويدّعوه مِثلًا لأمكنهم، لكن عجزوا وكانوا أعزَّ عن هذه الفضيحة، وأَدرَكَ لوجوه مباينة ما أتى به لما هو في طوقهم.

كما قال تعالى في الدلالة على اختصاصه بمضمون القرءان: ﴿وَكَذَ ٰ⁠لِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ وَلِیَقُولُوا۟ دَرَسۡتَ وَلِنُبَیِّنَهُۥ لِقَوۡمࣲ یَعۡلَمُونَ﴾ (الأنعام: ١٠٥)، فقد صرَّف الله آياته ونوَّعها بأصناف من العلوم والغيبيات والحجج والتفاصيل، لئلا يقول قائلٌ للنبي {دَرَسْتَ}، فإن أطاق المتمحل نسبة شيءٍ أو شيئين إلى مدارسة أهل الكتاب، فالكثرة تأبى ذلك، وتصريف أنواع الآيات يمنع مثله.

وأخيرًا، فإن القرءان نزل مُنَجَّمًا، ومن غايات نزوله مفرقًا على بضع وعشرين سنة= تثبيت فؤاد النبي، ومن ثَمّ أفئدة أصحابه، فقال سبحانه: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَیۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةࣰ وَٰحِدَةࣰۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَـٰهُ تَرۡتِیلࣰا ۝٣٢ وَلَا یَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَـٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِیرًا ۝٣٣﴾ (الفرقان: ٣٢-33) وكذلك: ﴿وَبِٱلۡحَقِّ أَنزَلۡنَـٰهُ وَبِٱلۡحَقِّ نَزَلَۗ وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا مُبَشِّرࣰا وَنَذِیرࣰا ۝١٠٥ وَقُرۡءَانࣰا فَرَقۡنَـٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثࣲ وَنَزَّلۡنَـٰهُ تَنزِیلࣰا ۝١٠٦﴾ (الإسراء: ١٠٥-١٠٦)، وحسبك بهذا دليلا، إذ نزوله منجَّمًا يدفع احتمال قبسه ممن سبقه، فالآيات نزلت تشهد للأحداث، فمن ذا الذي كتب قبله وأعلمه بوقائع غزواته وحوادث مكة والمدينة؟ إذن السابق نبي، وجُرَّت النبوة إلى رجلٍ قبله لا أكثر! حال بقاء دلائل النبوة كما هي. ثم إن النبي كان يأتيه الوحي وهو بين أظهرهم، كلما نزلت نازلة أو عنَّ سبب، فأين أخفى النبيُّ ذلك المعلِّمَ الملازِم في الحل والترحال، الذي يفزع إليه كل حينٍ ليقبس منه آيات القرءان؟ دع حاجته للجلوس بين يديه ليحفظ الآيات الطوال ويكررها كي لا يخطئ فيها حين يستعلن بها، في حين أُلزِمَ النبي بالوحي ألا يحرك به لسانه: ﴿لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦۤ ۝١٦ إِنَّ عَلَیۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ ۝١٧ فَإِذَا قَرَأۡنَـٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ ۝١٨ ثُمَّ إِنَّ عَلَیۡنَا بَیَانَهُۥ ۝١٩﴾ (القيامة: ١٦-١٩)، فصار ممتنعًا أن يُشهَدَ وهو يتكلف حفظ القرءان، وإلا كذب الوعد الإلهي.

ويكفيك من كل هذا أن أهل الكتاب أنفسهم كانوا أعداءه ومناوئيه، وكان محل دعوته وتقريعه، فهلَّا شهدوا عليه بأنهم علَّموه؟ أو أن ما بأيديهم عين ما بيده وأنه متيسرٌ لأي أحد؟ كيف والقرءان يتحداهم ضمنيًا كلما أحال إليهم وإلى كتبهم أن يكذبوه؟ وذلك في آيات كثيرة كمثل: ﴿أَوَلَمۡ یَكُن لَّهُمۡ ءَایَةً أَن یَعۡلَمَهُۥ عُلَمَـٰۤؤُا۟ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ﴾ (الشعراء: ١٩٧)، و: ﴿فَإِن كُنتَ فِی شَكࣲّ مِّمَّاۤ أَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِینَ یَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ مِن قَبۡلِكَۚ لَقَدۡ جَاۤءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِینَ﴾ (يونس: ٩٤)، و: ﴿ٱلَّذِینَ یَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِیَّ ٱلۡأُمِّیَّ ٱلَّذِی یَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِی ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِیلِ﴾ (الأعراف: ١٥٧)، و: ﴿هُوَ ٱلَّذِیۤ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِینِ ٱلۡحَقِّ لِیُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّینِ كُلِّهِۦۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِیدࣰا ۝٢٨ مُّحَمَّدࣱ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِینَ مَعَهُۥۤ أَشِدَّاۤءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَاۤءُ بَیۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعࣰا سُجَّدࣰا یَبۡتَغُونَ فَضۡلࣰا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَ ٰ⁠نࣰاۖ سِیمَاهُمۡ فِی وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَ ٰ⁠لِكَ مَثَلُهُمۡ فِی ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِی ٱلۡإِنجِیلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ یُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِیَغِیظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةࣰ وَأَجۡرًا عَظِیمَۢا ۝٢٩﴾ (الفتح: ٢٨-٢٩).

بل كانوا يستفتحون به قبل بعثته، فيخبرون عن قرب نبوته وانتظاره ويتحدون به قريشًا ويتوعدونه بأنه قد أظلهم مبعث نبي: ﴿وَلَمَّا جَاۤءَهُمۡ كِتَـٰبࣱ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقࣱ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُوا۟ مِن قَبۡلُ یَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَاۤءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَـٰفِرِینَ﴾ (البقرة: ٨٩)

 فلو لم يكن شيء من ذلك منهم، ولم يكن شيءٌ من ذلك في كتبهم، حال كونهم هم من علَّمه وأفاده واقتبس منهم، لكانوا أسرع الناس إلى تكذيبه وفضحه، ولكان النبي بهذه الآيات دالًا على أسهل المطاعن في نبوته، بأن يكذبوه فيما ادعاه، أو يظهروا شيوع ما ذكره وعدم اختصاصه به. 

ونختم بالتحدي الإلهي: ﴿وَلَا یَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَـٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِیرًا﴾(الفرقان: ٣٣)، وهو تحدٍ عام، فلا يأتون بقالةٍ، إن شبهةٍ أو اعتراضٍ أو معارضةٍ، إلا جاء الله بالحق والتفصيل، الذي يدفع قالتهم، ويبين الصواب، فلو كان من جنس ما يأتون به لم يكن بهذه المثابة، فليس فقط مما لا يعلمونه، ومما لا يمكن أن يكون اقتباسًا من غيره، بل هو فوق ما بين أيديهم من المقالات والكتب، وفوق أي شيء يأتون به.

.

8. اشتراطات تتعلق بكيفية الوحي والنبوة والخوارق

.

فكان ممّا اعترض به المشركون على النبوّة قولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزخرف: 31)، يعنون أن الرسالة ينبغي أن تُجعل في يد عظيمٍ من عظمائهم، ممن زخرف الدنيا بين يديه، معتدين بالجاه دون الهدى. وقالوا: ﴿مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (الفرقان: 7)، اهتداءً بالصورة التي رسمتها أوهامهم لجنس النبي، وكأن البشرية تنافي الرسالة، وكأن الإله لا يصطفى إلا من قعد عن حاجات الجسد. ثم طعنوا ثالثة في كيفية التنزيل، فقالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ (الفرقان: 32). ورابعةً في ذات القرءان، قائلين: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ (يونس: 15).

وهذا كله من جنس اعتراضات المعاصرين على كيفية الوحي، واشتراطاتهم لكيفيات وحيٍ أفضل بزعمهم. وقد كان المشركون أعقل كما سبق، إذ اعتراضاتهم تتعلق باشتراط ما يصب في مصالحهم وما يعظمونه، حال كونهم لا يعلمون بعدُ أيَظهَرُ النبي أم يُغلَب، فيطلبون ما يظنونه يؤتي ثمارًا أفضل ويلجئهم للإيمان حال جهلهم بمآل الأمر وحكمة الله. في حين يعترض المعاصرون بما لا يتسق مع حكمةٍ أو واقع، كطلب أن يأتي بتفاصيل علمية لا تفيد عصر من تنزل عليهم، أو اشتراطهم ألَّا يكون النقل شفهيًا وكتابياً، أو أن يودع الله في نفوسهم علومًا جبرية بصدق الوحي. وهي اشتراطات لا معنى لها، إذ الكيفيات المزعومة التي يطالب بها المعاصر لا تزيد في الهداية ولا تصلح زمناً، فإن الوحي نزل على قدر، وتدرّج، فرافق الأحداث، وصحّح النفوس، وربّى أهل الإيمان، ثم إنَّ الكيفية التي كانت آتت ثمارها وانتهى، وثبتت حكمتها حين قُضيَ الأمر، فدلَّت الثمرةُ على صواب الكيفية وصِدق التدبير المسبق. فقد انتصر النبي وظهرت الدعوة، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (النصر: 1)، وأظهر الله دينه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: 33)، كما عصم نبيه من الناس حتى تمت الدعوة: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: 67)، وأكمل الدين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3). كما رد القرءان بأن الله هو يقسم رحمته لا هم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ (الزخرف: 32)، وأن النبوة اصطفاء من الله بحكمة: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام: 124)، وأن ما جاءهم كافٍ في البيان والهداية: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ (العنكبوت: 51). ورد على طلب إنزال ملك بأن كل جنس يرسل إليه من يناسبه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ (الأنعام: 9).

فمن يشترط على الله كيفيات أخرى للوحي، بعد أن ظهرت الثمرة، وتمّت النعمة، وكمل الدين، فهو كمن يشترط على الشمس أن تشرق من الغرب لتنير! ويحسب أنه يزيدها نورًا لو فعلت.

كذلك الاشتراط في دلائل النبوة، فكانوا يخصون خوارق بعينها يطلبونها، جاحدين دلالة ما أعجزهم به، فكذلك ما عليه الجاحدون اليوم، من دفع دلائل إعجاز القرءان، واشتراط أمورٍ بعينها تحكماً، وربما زادوا بنفي أن تكون للنبي معجزات حسيةٌ رأسًا مستدلين بمثل هذه النصوص. والمشركون كانوا أعقل، إذ طلبوا شيئًا يرونه بأنفسهم يلجئهم للإيمان، في حين معاندة المعاصر لا تعدو أن تكون طلبًا لما سيُنقَل ولن يراه، وقد أنكر ما هو فوق هذا من المنقولات عن النبي، فما يفيده أن يكون أتى بمعجزات أخرى معينة؟

وقد جاءت آيات عديدة في هذا المعنى، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا ۝ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا ۝ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ۝ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 90-93(، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿بَلۡ قَالُوۤا۟ أَضۡغَـٰثُ أَحۡلَـٰمِۭ بَلِ ٱفۡتَرَىٰهُ بَلۡ هُوَ شَاعِرࣱ فَلۡیَأۡتِنَا بِـَٔایَةࣲ كَمَاۤ أُرۡسِلَ ٱلۡأَوَّلُونَ ۝٥﴾ (الأنبياء: ٤-٥)، وغيرها مما سيُذكَرُ عمَّا قريب.

وقد كان الرد في الآيات نفسها، بأنه ﷺ بشر ليست له قدرة على ما طلبوه، فالظاهر أنهم أرادوا من الرسول أن تكون له قدرةٌ فوق قُدَرِ البشر، فطلبوه أن يفعل تلكم الخوارق من لدنه، وأنه هو الذي يُفْجِر ويُسْقِط ويُنزِل، في حين كل خوارقه إنما كانت من الله ابتداءً، فتقع له دون فعلٍ منه، أو يوحى إليه فيفعل أمرًا ويقع الخارق، فابتداء الأمر منه سبحانه، لكن أرادوه أن يكون بقوة وشأن يدبر فيه أمر الخوارق بحسب ما يطلبون، بدلالة الآيات التي تلت هذه: ﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا ۝٩٣ وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن یُؤۡمِنُوۤا۟ إِذۡ جَاۤءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰۤ إِلَّاۤ أَن قَالُوۤا۟ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرࣰا رَّسُولࣰا﴾ (الإسراء: 93-94)، وقوله تعالى: ﴿وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَوۡلَاۤ أُنزِلَ عَلَیۡهِ ءَایَةࣱ مِّن رَّبِّهِۦۤۗ إِنَّمَاۤ أَنتَ مُنذِرࣱۖ وَلِكُلِّ قَوۡمٍ هَادٍ﴾ (الرعد: ٧)، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكُۢ بَعۡضَ مَا یُوحَىٰۤ إِلَیۡكَ وَضَاۤىِٕقُۢ بِهِۦ صَدۡرُكَ أَن یَقُولُوا۟ لَوۡلَاۤ أُنزِلَ عَلَیۡهِ كَنزٌ أَوۡ جَاۤءَ مَعَهُۥ مَلَكٌۚ إِنَّمَاۤ أَنتَ نَذِیرࣱۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ وَكِیلٌ﴾ (هود: ١٢)، وقوله سبحانه: ﴿قُلۡ إِنِّی عَلَىٰ بَیِّنَةࣲ مِّن رَّبِّی وَكَذَّبۡتُم بِهِۦۚ مَا عِندِی مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦۤۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ یَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَیۡرُ ٱلۡفَـٰصِلِینَ﴾ (الأنعام: ٥٧).

فليس للنبي هذا بغير إذن الله، إنما هو بشرٌ رسولٌ منذرٌ هادٍ والله على كل شيء وكيل. وباستقراء ما صح من خوارقه فإنها لا تكون تبعًا لإرادته متى شاء، كنبع الماء وتكثير الطعام، فقد جاع عليه الصلاة والسلام وأصحابه وطلبوا مواضع الماء مرارًا، ولو كانت قدرةً تتبع إرادته ومأذونًا له فيها متى شاء لما جاعوا وطلبوا الماء قط. وكذلك الأمر مع موسى إذ كان يؤمر بإلقاء العصا أو الضرب بها ولا يختار ذلك متى شاء، لتقلب حية أو يشق البحر، وقيّدت معجزات عيسى بإذن الله فلا ندري أكانت تبع إرادته وقدرة خرقها الله له، أم بأمر جديد من الله كل مرة، وربما استثني سليمان عليه السلام إذ أجريت الريح بأمره وقدر على أمور لم تجعل لغيره، ولكن الأصلُ ما ذكرناه. فطلبهم من النبي طلبٌ لما لم يُجعَل له، فهو بشر، وقد استكبروا أن يكون بشراً بقوة بشرية رسولا إليهم. ومع هذا لم يدعهم القرءان دون وعد: ﴿وَیَقُولُونَ لَوۡلَاۤ أُنزِلَ عَلَیۡهِ ءَایَةࣱ مِّن رَّبِّهِۦۖ فَقُلۡ إِنَّمَا ٱلۡغَیۡبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوۤا۟ إِنِّی مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِینَ﴾ [يونس: ٢٠]، فسيأتيكم من الغيوب والمشاهدات ما يحقَّ الحق ويُنجِزُ الوَعد، وقد كان بكل ما نزل في الوحي من دلائل، وبما وقع عليهم من الهزائم، وبما ظهر على يديه من الخوارق.

ثم كان الانصراف عنهم في آياتٍ للاستهانة بهم، فمن هم ليشترطوا لإيمانهم؟ وأي دالة لهم كي يجابوا لعين ما طلبوا؟ إذ في إجابتهم فتح لباب العنت، فكلٌ يشترط لنفسه، ولو أرادوه أن يطلب من الله، فما حد ذلك إن أعطوا هذا الحق؟ فهم طلبوا بيت ذهب، وغيرهم يطلب بيت فضة، وهم طلبوا أن يرقى السماء، فيطلب آخرون أن يبقر الأرض. وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَلَوۡلَاۤ أَن تُصِیبَهُم مُّصِیبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَیۡدِیهِمۡ فَیَقُولُوا۟ رَبَّنَا لَوۡلَاۤ أَرۡسَلۡتَ إِلَیۡنَا رَسُولࣰا فَنَتَّبِعَ ءَایَـٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ۝٤٧ فَلَمَّا جَاۤءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُوا۟ لَوۡلَاۤ أُوتِیَ مِثۡلَ مَاۤ أُوتِیَ مُوسَىٰۤۚ أَوَلَمۡ یَكۡفُرُوا۟ بِمَاۤ أُوتِیَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۖ قَالُوا۟ سِحۡرَانِ تَظَـٰهَرَا وَقَالُوۤا۟ إِنَّا بِكُلࣲّ كَـٰفِرُونَ ۝٤٨﴾ (القصص: ٤٧-٤٨). وفيه أن ما أتاهم حقٌ ثابت، موافق لطلبهم في صفته، ولكنهم تعنتوا فأرادوا غيره بعدما جاءهم. وكذلك قوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ (العنكبوت: 51)، فذا كتابٌ كافٍ بما حواه وحاجّكم به، تجدون دلالته بلغتكم ووجدانكم المباشر، فأي برهانٍ تبدونه لعدم كفايته سوى العَنَت؟ فهم أهون من أن يحكموا الله فيما شاءه دليلا، إذ دلالة القرآن كافية بدليل أثره، فها هو الإسلام إلى يومنا ظاهرٌ بالحجة يدخل الناس فيه أفواجا، فمن أبو جهل ومن أمية كي يشترطوا لإيمانهم وقد كفروا بما حجَّهم به الله؟ فهم أهونُ من ذلك: ﴿وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَوۡلَاۤ أُنزِلَ عَلَیۡهِ ءَایَةࣱ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ یُضِلُّ مَن یَشَاۤءُ وَیَهۡدِیۤ إِلَیۡهِ مَنۡ أَنَابَ﴾ (الرعد: ٢٧)، فالله يضِّلُ من يشاء عقابًا ويهدي من يشاء فضلًا ورحمة، فلا شأن لما يشترطونه آية كي يهتدوا والأمر إليه، وليس لهم دالةٌ عليه.

لذا علَّمَ الله نبيه فقال: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَیۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِیَ نَفَقࣰا فِی ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمࣰا فِی ٱلسَّمَاۤءِ فَتَأۡتِیَهُم بِـَٔایَةࣲۚ وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَـٰهِلِینَ﴾ (الأنعام: ٣٥)، وعلَّمَه قائلًا: ﴿وَلَوۡ شَاۤءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِی ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِیعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ یَكُونُوا۟ مُؤۡمِنِینَ﴾ (يونس: ٩٩) فلو شاء الله لهداهم أجمعين، ولآمن من في الأرض كلهم، بما أتاهم من الآيات وبغيرها مما طلبوا أو لم يطلبوا، فلا شأن لما اشترطوه، ولكنه خلاف مراده وحكمته فيهم.

دع أن علامة العناد ظاهرة فيما خاروه من خوارق، إذ ليست على نَسَقٍ واحد يفيد معنى مشتركًا بينها أو تخالف به القرآن، فكل آيةٍ اتهموه فيها بأنه ساحرٌ دليلٌ على أنهم سيُقولون مثلها فيما طلبوه، والتنبيه إلى كفاية القرءان تحدٍ لهم أن يبدوا فرقًا بين ما جاءهم وما أرادوه. فتفجر الأنهار والينابيع طبيعي، وإن كان بيد النبي ليكون خارقًا= فأي شيء يمنعهم من جعله سحرًا وقد قالوه في القرآن؟ وأي فرق بينه وما أتاهم به من كلام يحسنون حروفه ويعجزون عن تركيب سورة مثله فرادى ومجتمعين، بشهداء منهم، أنسًا وجنًا أجمعين، بعلومٌ يقرِّعهم بأنهم جهلوها وأنها بمعلِّمٍ لا يجدونه لمحمد عليه الصلاة والسلام إلا أعجميًا عاميًا أو أساطير أولين؟ فمعجزة القرآن أظهر وعجزهم عنها مباشِرٌ يجدونه من أنفسهم بالضرورة، وجعله سحرًا كجعل ما طلبوه سحرا من باب أولى. أما إسقاط السماء عليهم قطعًا ففيه الذي في سابقه من تهمة السحر، بلا فارق يسوغ اختيارهم، دع تعرّضهم وطلبهم نزول العقاب، وهو ما لم يرده الله ولم يرده رسوله لحكمة ظهرت بإسلام بعضهم وجمهرة قريش لاحقا، فلِمَ يُجابون إليه؟ أما الإتيان بالله والملائكة قبيلا، يعاينونهم -في تفسير قتادة- بل تعاينهم كل قبيلة منهم على حدة -في تفسير مجاهد-، فأي ابتلاء يبقى باتباع النبي وهم يطلبون أن يُجعلوا أنبياء؟ بل فوق الأنبياء الذين لم يروا ربهم؟ وأي أحقية لمثلهم أن يطلبوا هذا المقام وهم أهون من جناح ذباب؟ وهل سؤالهم إلا كالذين سبقهم في طلب ما لا يطيقون ولا يستحقون: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾(البقرة: ١٠٨)، و: ﴿یَسۡـَٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَـٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَیۡهِمۡ كِتَـٰبࣰا مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِۚ فَقَدۡ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰۤ أَكۡبَرَ مِن ذَ ٰ⁠لِكَ فَقَالُوۤا۟ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةࣰ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡۚ﴾ (النساء: ١٥٣)؟  فلا طاقة لهم على ذلك ولا حق لهم فيه. وبعض ما قيل في السابق أولى أن يقال في بيتٍ من ذهب، فلا خارق فيه إلا أن يكون بغير سبب طبيعي، وقد ردوا كلامًا يحسنون حروفه وألفاظه لا سبب طبيعي لصدوره بنظمه وعلومه عن مثل محمد ﷺ، فيكون ظهور عجزهم عن تركيبِ مثله -وفي مكنتهم أجزاؤه- أشد دلالة من عجزهم عن تركيب بيتٍ من ذهب إن حازوا أجزاءه. أما الرقي في السماء فتهمة السحر فيه حاضرة. دع لحنهم بالعناد في رفض هذا إن وقع، وهو من جنس ما سبق، إلا أن يأتيهم بكتاب من الله يخبرهم بنبوته، وهل أتاهم بغير كتابٍ دالٍ بفوق ما طلبوه؟ إذ ليس فيه الإخبار بنبوته فقط بل تحديهم بمثل بعضه وغير ذلك من دلائل إعجازه؟ إذن عادوا لأصل ما كفروا به.

كيف إن علمت أنه لم يؤمن كثير ممن وجدوا مثل هذه الخوارق، كقوم موسى  في قوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: 132)، وقوله:﴿فَلَمَّا جَاۤءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُوا۟ لَوۡلَاۤ أُوتِیَ مِثۡلَ مَاۤ أُوتِیَ مُوسَىٰۤۚ أَوَلَمۡ یَكۡفُرُوا۟ بِمَاۤ أُوتِیَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۖ قَالُوا۟ سِحۡرَانِ تَظَـٰهَرَا وَقَالُوۤا۟ إِنَّا بِكُلࣲّ كَـٰفِرُونَ ۝٤٨﴾ (القصص: ٤٨). وقوم عيسى  في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (المائدة: 110).

وقد علم الله ذلك منهم مع محمد ﷺ فقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (الأنعام: 7)، وأنزل سبحانه: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ۝ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ (الحجر: 14-15)، وأخبر عنهم: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَٰؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ۝ وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ (الزخرف: 29-30)، وحذرهم: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ۝ وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ (القمر: 1-2). فهم أنفسهم أظهروا العنت، كقولهم في بعض الروايات أنه لو فعل ذلك فلن يصدقوه أيضًا، إذ لا اختلاف بين ما أتاهم به وما يطلبونه من إمكان مجابهته بالعناد ودعوى السحر.

وقد علم الله أنهم يكفرون ويعاقبون لو أجابهم لعين ما طلبوه مبكراً، في حين أراد الله لقريش أن تؤمن وللدعوة أن تنطلق منها لتعم الأرض، لا أن يُكَذّبوا فيهلكوا، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَاۤ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡـَٔایَـٰتِ إِلَّاۤ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَیۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةࣰ فَظَلَمُوا۟ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡـَٔایَـٰتِ إِلَّا تَخۡوِیفࣰا﴾ (الإسراء: 59). ومثله قوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا۟ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَیۡهِ ءَایَةࣱ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰۤ أَن یُنَزِّلَ ءَایَةࣰ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ (الأنعام: ٣٧)، فلا يعلمون ما في طلبهم من جلب الدمار عليهم، ولا يعلموون ما سيظهر من حكمته في إمهالهم حتى يؤمنوا ويضيئوا بالدعوة أقطار الأرض. وكذلك قوله عزَّ وجلَّ: ﴿قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِیدَۢا بَیۡنِی وَبَیۡنَكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِیرَۢا بَصِیرࣰا ۝٩٦﴾ (الإسراء: ٩٦)، فهو سبحانه الخبير بما يصلح لهم، البصير بما هم فاعلين. أما إنزال الملائكة عليهم، فيقول فيه جلَّ شأنه: ﴿وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكࣰا لَّقُضِیَ ٱلۡأَمۡرُ ثُمَّ لَا یُنظَرُونَ﴾ (الأنعام: ٨) أي: لقامت الساعة -عند مجاهد وعكرمة- أو لماتوا -الضحاك وروي عن ابن عباس- أو لعُجِّلَ لهم العذاب -قتادة-. فوقع ما أراده الله بحكمته، وآمنوا بعد حين، ولو كانوا أجيبوا وكفروا لحقَّ عليهم العذاب، وللحقوا بمن سبقهم من الهالكين.

وربما اعترضوا بمحض كونه بشرا، بمعزلٍ عن تطلُّبِ آياتٍ خاصة، فكان الرد عليهم بقوله تعالى: ﴿قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعࣰا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَاۤ أَدۡرِی مَا یُفۡعَلُ بِی وَلَا بِكُمۡۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا یُوحَىٰۤ إِلَیَّ وَمَاۤ أَنَا۠ إِلَّا نَذِیرࣱ مُّبِینࣱ﴾ (الأحقاف: ٩)، وقوله: ﴿إِنَّاۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ كَمَاۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ نُوحࣲ وَٱلنَّبِیِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰۤ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمَ وَإِسۡمَـٰعِیلَ وَإِسۡحَـٰقَ وَیَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِیسَىٰ وَأَیُّوبَ وَیُونُسَ وَهَـٰرُونَ وَسُلَیۡمَـٰنَۚ وَءَاتَیۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورࣰا﴾ (النساء: ١٦٣)، وقوله: ﴿مَّا یُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدۡ قِیلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبۡلِكَۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةࣲ وَذُو عِقَابٍ أَلِیمࣲ﴾ (فصلت: ٤٣)، وقوله: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالࣰا نُّوحِیۤ إِلَیۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوۤا۟ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣).

ولا يختص هذا بدفع استشكالهم بشريته، بل فيه ما يدفع كل شبهة تتعلق باصطفاء النبي الخاتم، إذ لا شيء يستشكله كتابيٌ على وجه الأرض في سيرته وأحكامه إلا وهو ثابتٌ للأنبياء من قبل.

واعلم أن في الباب اشتراطات أخرى بلا برهان، كاشتراط اليهود أن يكون الرسول منهم، أو أن تكون واسطته ميكائيل لا جبريل، وغير ذلك مما ردّه واحد، وسبق ذكر ما نبه عليه من الآيات، وهو أن ثبوت كون هذا الوحي من إله يحسم النزاع، فالله أعلم حيث يجعل رسالته، ولا شيء مما يطلبونه إلا وقد كفروا بما هو مثله، حال كونه تحكمًا وخلوًا من البرهان. وهذه إشارة لكل من كفر بالحق إلى يوم الناس هذا، واشترط لإيمانه أمورا، فإلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، إن كفر رجلٌ آمن مائة أعلى منه عقلًا وخُلُقا، وكانوا حجةً عليه في كفاية الأدلة.

.

9. عوارض النفس- اللاكتراث وتقليد الآباء

.

فمن العوارض التي ينيط بها كثيرٌ من المعاصرين صنيعهم دعوى اللاكتراث، وصدى هذا المنزع قليلٌ في المتقدمين، إذ كانوا أهل دين، لكونهم أدرى بمعالي الأمور وآثارها، فأمر النبوة جلل، وإن كان لمَلِكٍ في الدنيا بيانٌ فهو حقيقٌ بالتوكد من صدقه واتباعه، فكيف برب العالمين؟ فماذا لو كانت دعوى النبي حقًا؟ وكان الحساب حقًا؟ وكانوا سيوقفون على ما اختاروه في هذه الدنيا عمّا قليل؟ في حين غرق المعاصر في توافه الدنيا وشغل نفسه بما يحفظ حاجاته الحيوانية، غير حافلٍ بموتٍ هو ملاقيه.
ومع هذا الفرق بين الأوائل والأواخر، إلا أن الوحي حفَّز في الناس فطرة البحث والنظر، ولم يدعهم ليعتذروا بشواغل الدنيا وعدم النظر الجاد.
فمن ذلك ما حكاه الله عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ رَجُلࣱ مُّؤۡمِنࣱ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ یَكۡتُمُ إِیمَـٰنَهُۥۤ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن یَقُولَ رَبِّیَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَاۤءَكُم بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمۡۖ وَإِن یَكُ كَـٰذِبࣰا فَعَلَیۡهِ كَذِبُهُۥۖ وَإِن یَكُ صَادِقࣰا یُصِبۡكُم بَعۡضُ ٱلَّذِی یَعِدُكُمۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی مَنۡ هُوَ مُسۡرِفࣱ كَذَّابࣱ ۝٢٨﴾ (غافر: ٢٧-٢٨).
ففيه قسمة عقلية، إذ النبي صادقٌ أو كاذب، فإن كان كاذبًا فمغبة كذبه عليه، وليس لكم إلا أن تقصروا كذبه على نفسه بأن تمنعوه من إثارته أو تكدير مجتمعكم به، أما لو كان صادقًا فالأمر جلل، وسيصيبكم بعض ما يعدكم به، والواقع أنه سيصيبهم كل ما يعدهم به إن كان صادقًا، فاكتفى مؤمن آل فرعون بالبعض.
وليس في كلامه دفع القتل عن موسى فقط، بل والتنبيه إلى وجوب إعادة النظر فيمن دعوته التوحيد وجاء بالبينات، وقد قيل هذا لفرعون الذي حفل بموسى فأبصر الآيات وقامت عليه الحجج وعزم على القتل وسيجمع عما قليلٍ سحرته، فمن باب أولى من لم ينظر ولم يكترث ولم يعزم على شيء، وشاهد الباب في الاحتمال الثاني، فإن كان النبي صادقًا فالوعد حق، والحساب أليم، فكيف يُهمَلُ مثل هذا؟
كما أمر الله نبيه أن يحاج الكافرين قائلًا: ﴿قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرۡتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدࣱ مِّنۢ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ عَلَىٰ مِثۡلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ﴾ (الأحقاف: ١٠).
فها أنتم أولاء تعرضون عن هذا الوحي، ولكن تدبروا في أمره، ماذا لو كان من عند الله حقًا، ثم وجدتم أولي علمٍ ونظرٍ يشهدون بأنه من عند الله، ثم أنتم تكفرون وقد زال عذركم بأولئك الذين نظروا وبلغوا الحق فيه، فأي ظلمٍ لأنفسكم فوق هذا الظلم صنعتم، بترككم النظر والإيمان؟
كما أمر الله نبيه أن يحذرهم قائلًا: ﴿قُلۡ أَرَءَیۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغۡتَةً أَوۡ جَهۡرَةً هَلۡ یُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (الأنعام: ٤٧).
فماذا إن أتى عذاب الله، وكان الأمر حقًا لا كما زعمتم بكفركم وإعراضكم، أي الفريقين يهلك؟ أيهلك سواكم وقد ظلمتم أنفسكم ولم تعطوا الله حقه فيكم؟ أليس احتمالًا قائمًا مغبته كبيرة وجزاؤكم فيه عظيم؟
وقال تعال منكرًا عليهم: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجۡنُونࣲ ۝٢٢ وَلَقَدۡ رَءَاهُ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡمُبِینِ ۝٢٣ وَمَا هُوَ عَلَى ٱلۡغَیۡبِ بِضَنِینࣲ ۝٢٤ وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَیۡطَـٰنࣲ رَّجِیمࣲ ۝٢٥ فَأَیۡنَ تَذۡهَبُونَ ۝٢٦﴾ [التكوير ٢0-٢٦]
وهو تجهيلٌ لهم وإنكار عظيم، فأين تذهبون عن دلائل هذا الوحي؟ إلى أي شيء تفرون يكون أولى بالحق والنظر منه؟ إلى دعوى الجنون وتعليم الشياطين؟ فكيف بمن لا يكترثون ولا يذهبون إلى شيء؟ 
وقال عزَّ وجل: ﴿یَعۡلَمُونَ ظَـٰهِرࣰا مِّنَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ غَـٰفِلُونَ﴾ (الروم: ٧)، وقال سبحانه: ﴿ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِی غَفۡلَةࣲ مُّعۡرِضُونَ ۝١ مَا یَأۡتِیهِم مِّن ذِكۡرࣲ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ یَلۡعَبُونَ ۝٢﴾ (الأنبياء: ١-٢)
وفيه التنبيه إلى واقع ما هم عليه وأكثر المعاصرين، من اشتغالٌ بدنيا فانية وغفلةٍ عن حقيقة لا ريب فيها، وهي أن الأمر قريب، فلا يعمّر أحدٌ إلا وهو ميتٌ عما قريب في سياق عمر الكون والبشرية، وليس عمر الإنسان شيئًا قبال هذه الحقيقة، في حين أن دعوتهم إلى الحق راهنة، فانظر إلى ما يشتغلون به تجده لعبًا صفرَ القيمة بالنظر إلى حقيقة الموت فقط، وإن لم يؤمنوا بحساب، فكيف إن كان حساب؟ فكيف وذكر ربهم محدثٌ يطرق أسماعهم الآن ويعرّضهم للانتفاع به؟ أيليق وصفٌ سوى اللعب بالإعراض عنه لأي شيء غيره؟
ومثله في قوله سبحانه: ﴿وَذَرِ ٱلَّذِینَ ٱتَّخَذُوا۟ دِینَهُمۡ لَعِبࣰا وَلَهۡوࣰا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۚ وَذَكِّرۡ بِهِۦۤ أَن تُبۡسَلَ نَفۡسُۢ بِمَا كَسَبَتۡ لَیۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِیࣱّ وَلَا شَفِیعࣱ وَإِن تَعۡدِلۡ كُلَّ عَدۡلࣲ لَّا یُؤۡخَذۡ مِنۡهَاۤۗ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ أُبۡسِلُوا۟ بِمَا كَسَبُوا۟ۖ لَهُمۡ شَرَابࣱ مِّنۡ حَمِیمࣲ وَعَذَابٌ أَلِیمُۢ بِمَا كَانُوا۟ یَكۡفُرُونَ﴾ (الأنعام: ٧٠)
فمن لم يحفل بأمر الدين وخاض فيه لهوًا ولعبًا دون اتقاء للعواقب وبحثٍ في المآل= فقد فارقَ سبيل العقلاء، ولا سبيل معه إلا التذكير والتنبيه، إذ ما تصنع مع من غرته حياةٌ زائلةٌ سيفارقها فلم ينظر فيما هو ملاقيه أبدا إن كانَ حقًا؟ ولم يتق يومًا لا ولي له فيه ولا شفيع من دون الله؟
كما نبه سبحانه إلى حقيقة الدنيا في مواضع كثيرة، في قوله: ﴿كُلُّ نَفۡسࣲ ذَاۤىِٕقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۤ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾ (آل عمران: ١٨٥)، وقوله: ﴿وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۤ إِلَّا لَعِبࣱ وَلَهۡوࣱۖ وَلَلدَّارُ ٱلۡـَٔاخِرَةُ خَیۡرࣱ لِّلَّذِینَ یَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ (الأنعام: ٣٢)، وقوله: ﴿ٱللَّهُ یَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن یَشَاۤءُ وَیَقۡدِرُۚ وَفَرِحُوا۟ بِٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ إِلَّا مَتَـٰعࣱ﴾ (الرعد: ٢٦)، وقوله: ﴿مَثَلُ مَا یُنفِقُونَ فِی هَـٰذِهِ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا كَمَثَلِ رِیحࣲ فِیهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمࣲ ظَلَمُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ یَظۡلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١١٧). وقوله: ﴿أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ ۝١ حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَ ۝٢ كَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ۝٣ ثُمَّ كَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ۝٤﴾ (التكاثر: ١-4)
فأيقظهم بحقيقة الموت، وأن هذا التكاثر واللهو عمَّا قليل إلى زوال، ثم سيعلمون. هذا واقع الدنيا الذي يدركه المؤمن والملحد، أنه زائرٌ قبرًا سيكون بعده ما كان منشغلًا عنه في الدنيا، فإن كان ميتًا لا محالة، فكيف يهمل ما هو باقٍ بما هو زائل؟ ولو على سبيل الاحتمال؟ وكيف لا ينظر في مصيره ويعلم اليوم قبل أن يعلم غدًا ولات حين علم ونظر؟
وكل هذا تذكيرٌ بحقيقة لا إخبارٌ عن غيب، فليقارن كل عاقلٍ بين حياةٍ زائلة، شأنها شأن متاع السفر، لا يبقى منها معك شيء حين تموت، وتلقى قبرك بعدها وحيدًا لتصير إلى عدمٍ إن صدقوا، وبين نذارة النبي وبشارته بآخرةٍ باقية دائمة، فأي شيء أولى أن تحفل به؟ وأي خسارة بإهمال الآخرة للأولى؟
كل هذا تنبيه للامكترث، الأجدر بوصف اللاعب واللاهي، يبطل ما هو عليه بالتذكير والموازنة العقلية، فإن لم يحفل بهما فهو حقيقٌ بمآله، غير مستحق للهداية، إذ هذا الكتاب للمتقين: ﴿ذَ ٰ⁠لِكَ ٱلۡكِتَـٰبُ لَا رَیۡبَۛ فِیهِۛ هُدࣰى لِّلۡمُتَّقِینَ﴾ (البقرة: ٢)، الذين يحذَرُون من الله عز وجل عقوبتَه في تَرْك ما يعرفون من الهُدى، ويرجون رحمَته بالتَّصديق بما جاء به، أما من لا يحفلون بشيء من ذلك فلا ينظرون فيما جاءهم أحقٌ أم لا، ﴿فَذَرۡهُمۡ یَخُوضُوا۟ وَیَلۡعَبُوا۟ حَتَّىٰ یُلَـٰقُوا۟ یَوۡمَهُمُ ٱلَّذِی یُوعَدُونَ﴾ (الزخرف: ٨٣).
.

ثم ها هنا عارضٌ آخر إن اكترثوا، فهم يكترثون بموافقة الأكابر، وتقليد ذوي السلطة المادية أو المعنوية، ومن ذلك تقليد المشركين سلفهم، وكانوا بذلك -على جهالتهم- أعقل من المعاصرين، إذ سَألَ المشركون عن مصير من سبقهم، من الآباء والأجداد، ففيهم المتألهون المُعَظَّمون الذين كانوا أهل إخلاص في الحق وبحثٍ عن الحقيقة، وقضوا نحبهم على ما يجعله الإسلام باطلا، وبشبه قولهم يقول المعاصرون، فيقلدون من بيده زمام السلطة الغالبة، ومن حاز شهادة أكاديمية، ويستكثرون بمن علا ببعض شؤون الدنيا. وقد كان المشركون دونهم في الجهل، إذ كانوا مقلدين لأجل العاطفة أولًا، ثم كان وجه حجتهم الطعن في حكمة الله ورحمته بمن رأوهم جديرين بالهداية وإصابة الحق والنجاة، فسألوا عن مصير آبائهم، وعن إيمانهم الموروث وتخطئته، ولم يقلدوا لمحض الانبهار والإمعية لغالب آخر ليس منهم ولا هم منه. ثم كان تقليدهم لمن يؤمنون برب العالمين، ممن أصابوا شيئًا من حقه سبحانه، في حين يقلد المعاصرون من عاندوا دلائل العقل على وجوده وصفاته سبحانه، فكانوا جديرين بالضلالة فوق الأوائل.

وقد رد القرءان هذا الضرب من التقليد في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 170)، وقوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ۝ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ (الزخرف: 23-24).

وفيه أن العبرة بالهدى، فإن جاءهم النبي بما هو أهدى فقد وجب المصير إليه، وأن صنيعهم كصنيع من هلك ممن قبلهم، ممن يعرفونهم ويقرون بأنهم كانوا مخطئين في اتباعهم آباءهم وتقليدهم كبراءهم. وذا رد على المعاصر أيضًا،  إذ يعلم بأمثلة لا تحصى سقوط "السلطة الغالبة" في أخطاء فاحشة، علمية وغير علمية، وانقياد الجموع لها بأسباب سوى حيازة الحق وانتهاض الدليل.

واعلم أن هذا مثال لأمورٍ أخرى تعرض للنفس فتحجبها عن الحق، وقد طرقها القرءان جميعا، فأضف لما مثَّلنا به أمورًا أخرى كالحسد والكبر والبخل والعناد، وغير ذلك مما جوابه واحد، أن العبرة بالهداية والدليل الحق، ولا شيء من هذه العوارض يدفع ما ثبت صوابه بدليل.

.

10. عوارض الخارج- شبهة إنكار البعث أنموذجًا

.

كان من اعتراضات المشركين طعنهم في البعث، ومثله اعتراض المعاصرين بالنظريات العلمية المعاصرة، لا سيما النظريات المتعلقة بنشأة الكون والحياة، في حين كان المشركون أعقل، فاعترضوا بالمآل، إذ رأوا العظام رميمًا، فقاسوا ما سيكون بما شاهدوه، كما في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس: 78). في حين يعترض المعاصرون بما لا يرونه ولم يشهدوه، وبما يناقض مبادئ عقلية كالسببية والتعقيد الغائي وغير ذلك. وكان الرد على المشركين في تذكيرهم بأن القادر على نشأتهم  وتقليب أحوالهم في بطون أمهاتهم وعلى الأرض حتى مماتهم، بل والقادر على السماوات والأرض مما هو أعظم منهم= لا يعجز عن البعث، كقوله سبحانه: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (يس: 79)، وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ (يس: 81)، وقوله: ﴿أَفَعَیِینَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِی لَبۡسࣲ مِّنۡ خَلۡقࣲ جَدِیدࣲ﴾ (ق: ١٥)، وقوله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِی یَبۡدَؤُا۟ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ یُعِیدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَیۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ﴾ (الروم: ٢٧)، وقوله: ﴿وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الواقعة: ٦٢)، وقوله: ﴿أَوَلَمۡ یَرَوۡا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ وَلَمۡ یَعۡیَ بِخَلۡقِهِنَّ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰۤ أَن یُحۡـِۧیَ ٱلۡمَوۡتَىٰۚ بَلَىٰۤۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ﴾ (الأحقاف: ٣٣)، وقوله:﴿أَوَلَمۡ یَرَوۡا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ قَادِرٌ عَلَىٰۤ أَن یَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۡ وَجَعَلَ لَهُمۡ أَجَلࣰا لَّا رَیۡبَ فِیهِ فَأَبَى ٱلظَّـٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورࣰا﴾ (الإسراء: ٩٩)، وقوله: ﴿لَخَلۡقُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ (غافر: ٥٧)، وقوله: ﴿قُلۡ كُونُوا۟ حِجَارَةً أَوۡ حَدِیدًا ۝٥٠ أَوۡ خَلۡقࣰا مِّمَّا یَكۡبُرُ فِی صُدُورِكُمۡۚ فَسَیَقُولُونَ مَن یُعِیدُنَاۖ قُلِ ٱلَّذِی فَطَرَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةࣲۚ فَسَیُنۡغِضُونَ إِلَیۡكَ رُءُوسَهُمۡ وَیَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰۤ أَن یَكُونَ قَرِیبࣰا ۝٥١﴾ (الإسراء ٥٠-٥١)، وقوله: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِی رَیۡبࣲ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَـٰكُم مِّن تُرَابࣲ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةࣲ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةࣲ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةࣲ مُّخَلَّقَةࣲ وَغَیۡرِ مُخَلَّقَةࣲ لِّنُبَیِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِی ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَاۤءُ إِلَىٰۤ أَجَلࣲ مُّسَمࣰّى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلࣰا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوۤا۟ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن یُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن یُرَدُّ إِلَىٰۤ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَیۡلَا یَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمࣲ شَیۡـࣰٔاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةࣰ فَإِذَاۤ أَنزَلۡنَا عَلَیۡهَا ٱلۡمَاۤءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِیجࣲ﴾ (الحج: ٥). والآيات في هذا المعنى كثيرة.

أما المعاصر، فأجهل من الأوائل إن جحد رب العالمين، والرد عليه بأدلة وجود الله، كالآية الرابطة بين الإيقان وكونه سبحانه رب السماوات والأرض: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾ (الشعراء: 24). فإن كانوا يوقنون بشيءٍ... أي شيء، فأدلة الربوبية فوقها أو تبنى عليها، وهي دالة على أنه رب العالمين من باب أولى، بما في السماوات والأرض من آيات الخلق والإحكام. وكذلك الآيات التي تتكلم عن تسخير الخلق وتقديره وإتقانه وما فيه من غايات وحِكَم، وهي كثيرة يطول حصرها، والتي لم تنزل لمجادلتهم في وجود الله، إذ كانوا أعقل من جحد وجوده، ولكن في تنبيههم إلى أن من سخر لهم كل هذا وأتقنه عالمٌ حكيمٌ مدبرٌ لا يدعهم هملاً، ولا يسبب وجودهم عبثاً وسدى، دون أن يرسل إليهم بغاية خلقهم، أو يتركهم لنبيٍ بدلائل صدقٍ وهو كاذبٌ في نفس الأمر. ومن تلك الآيات الجامعة قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ۝ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ (الطور: 35-36)، والتي أريد بها التنبيه إلى أنهم لم يخلقوا لغير غاية ستبلغهم، وتتضمن الإشارة لدليل الحدوث، وأن هذا العالم لم يأت من عدم، وغير ذلك.

واعلم أن هذا مثالٌ لما يعرض للإنسان من تصورات تتعلق بالعالَم، وتكون بلا دليلٍ أو الدليل بخلافها، فتحجبه عن قبول الحق، فزد على ما ذكرنا من أمر البعث كل تصورٍ كونيٍ يُعارَضُ به الحق، ولا يخرج عن قدرة الله. 

.

[خاتمة]

.

هذه حججٌ قائمةٌ على من سمعها من العرب، وتقوم على من بلغته من المعاصرين، ولا سبيل لدفعها إلا بإبطال تواتر معاني الآيات الواردة هنا إلى زمن النبي ﷺ، فلو أمكن المنازع التشكيك في آياتٍ أخرى أو في ألفاظها، فلا يلزمنا الاشتغال بشكه، إذ العبرة بتواتر معاني الآيات المحتج بها إلى طبقة النبي ﷺ، كيف وقد تواترت ألفاظها وإن رَغِمَت أنوف؟

 

 

هناك تعليقان (2):

  1. معلش، محاولة جيدة من حسابِ أُنشِأ خصيصى لأجل هذا التعليق دون أي نقد حقيقي سوى الصياح... جرب مرة أخرى

    ردحذف